
شاعرة الضوء والغربة مريم شمس الدين في حوار خاص لـ”أخباركم”
بين فيض اللغة، وصوت الداخل، والبحث المستمر عن قصيدة تشبهها، تمضي الشاعرة مريم شمس الدين في رحلة الكتابة كمن يسير على خيط من الحنين. في عالم تتنازعه الضوضاء والأسئلة، تكتب هذه الشاعرة لتكون أقرب إلى ذاتها، وأقرب إلى الآخر الذي يسكن حروفها.
في هذا اللقاء الحصري مع صحيفة أخباركم، تفتح لنا قلبها، وتسرد رحلتها مع الشعر، من الطفولة إلى النضج، من العزلة إلى التفاعل، وتمنحنا فرصة لملامسة ملامحها الشعرية، رؤاها الوجودية، قلقها الإنساني، وموقفها من العالم.
نترككم مع تفاصيل الحوار…
-أهلاً وسهلاً بكِ أستاذة مريم!
-أهلاً وسهلاً ومرحباً أستاذ محمد، يسعدني التواجد في صحيفتكم الموقرة أخباركم.
س: من هي مريم شمس الدين؟
مريم: ما زلت أبحث عن ذاتي وعن قصيدة تلمّ شغفي العنيد نحو الضوء. هناك طموحات كثيرة تسكن روحي، أراها تنمو في أفق أخضر يُرضيني.
س: كيف بدأت حكايتكِ مع الشعر؟
مريم: منذ طفولتي، كان في داخلي سؤال دافئ، يلّح عليّ أن أستوعب هذا الكون، أن أطرح أسئلة وجودية، وأن أُصغي لآلام الآخرين. كان هذا النداء الإنساني هو البوابة التي دخلت منها إلى عالم الكتابة، فخصصت دفتراً صغيراً وأسميته قلبي، وبدأت أكتب. بعدها انطلقت نحو القراءة بنهمٍ لا يعرف الاكتفاء، ولا زلت أقرأ حتى اليوم.
س: هل من محطة حاسمة شكّلتكِ ككاتبة؟
الفطرة أولاً، ثم أصوات المشجعين في مدرستي– من أساتذة وإدارة– الذين رأوا فيّ شيئاً وصدّقوه. كان التصفيق والانبهار وقوداً جعلني أؤمن بما أكتب، فتابعت السير في طريق الفن والجمال.
س: هل تذكرين أول ما كتبته؟
مريم: أول نصوصي كانت عن الليل والغربة، تلك اللحظات التي يعلو فيها صوت القلب على كل ضجيج. الليل بالنسبة لي كان فضاءً أكتب فيه عن حقيقة الإنسان.
س: ما طبيعة علاقتكِ باللغة؟
مريم: اللغة هي وطني، وهي منفاي وملاذي. إنها دائي ودوائي، فيها أعيش وأتنفس.
س: هل تكتبين في حالات الفرح أم الألم؟
مريم: غالباً ما أكتب تحت وطأة الألم، لكن أحياناً تأتي السكينة والفرح أيضاً كحافز للكتابة.
س: في قصائدكِ كثافة رمزية وصور شعرية.. فهل تميلين للتعقيد أم التبسيط؟
مريم: أنا مع الرمزية الواعية. الرموز تمنح النص عمقاً وتحفز القارئ للتفكير، لكنني أحرص على سلامة اللغة ووضوحها، فلا أريد من القارئ أن يفك شيفرات بل أن يعيش القصيدة.
س: هل تفكرين بالقارئ أثناء الكتابة؟
مريم: أفكر به بقدر ما أعبّر عن أشياء تعجز اللغة اليومية عن قولها. أفرح عندما يشعر المتلقي أنني كتبت عنه أو نيابةً عنه. هذه المشاركة الشعورية تشعرني بأنني جزء من نسيج إنساني مشترك.
س: هل شعرتِ يوماً أنكِ تُحمّلين ككاتبة أكثر مما يحتمله النص؟
مريم: أنا أكتب ما يخرج من داخلي. النص، بالنسبة لي، مرآة مشاعري وأفكاري ومواقفي القديمة والجديدة، وهو يحتمل ما أضعه فيه، لأن الداخل غالباً ما يكون كثيفاً.

س: هل ما زالت المرأة الكاتبة تُواجه أحكاماً مسبقة؟
مريم: نعم، إلى حد ما. ثمة توقعات اجتماعية بأن تبقى المرأة داخل قوالب العادات والتقاليد. لكننا اليوم نشهد حضوراً قوياً لشاعرات كسرن هذه القيود، وعبّرن عن ذواتهن بحرية.
س: كيف توفقين بين صوتك الفردي وقضايا مجتمعك؟
مريم: أحاول أن أكتب للآخر كما أكتب عن ذاتي. القصيدة لدي ليست فقط تعبيراً عن مشاعري، بل مساحة للدفاع عن قضايا إنسانية ومجتمعية تستحق أن تُروى.
س: مَن ترك بصمة في تجربتك الشعرية؟
مريم: طاغور، نازك الملائكة، وجلال الدين الرومي. هم من حملوا الشعر إلى أماكن روحية وجمالية ألهمتني.
س: هل تأثرتِ بتجارب غير عربية؟
مريم: نعم، تأثرت بشكسبير لما في شعره من فلسفة وعمق موسيقي.
س: ما رأيك في الشعر الجديد على وسائل التواصل؟
مريم: وسائل التواصل منحتنا فرصة لرؤية إبداع حقيقي أحياناً، لكن المشكلة تكمن في حفظ الحقوق. لذلك، أؤمن بأهمية النشر الورقي أولاً، لحماية النص من السرقة أو التزوير.
س: حدثينا عن مجموعتك الشعرية الأخيرة؟
مريم: ديواني الأخير بعنوان “تنهيدة في ذاكرة المعنى”، وهو محاولة لجمع مفردات الحياة من حب، وطن، وداع، عزلة، خذلان، وموت. هذه المعاني تستحق أن نصنع لها ذاكرة تحفظها من النسيان.

س: ما النص الأقرب إلى قلبكِ؟
مريم: نص “رسائل الشعر”، لأنه لاقى تفاعلاً كبيراً من القراء وأشعرني أنني لامست أرواحهم.
س: هل هناك موضوعات لم تكتبيها بعد؟
مريم: نعم، كثيرة. ليست تردداً بقدر ما هي مؤجّلة بسبب انشغالات الحياة. لكنني سأكتبها حتمًا في يوم ما.
س: هل تؤمنين بدور الشاعر في التغيير؟
مريم: الشاعر هو من يلتقط تفاصيل الحياة المهمشة، ويعيد صياغتها بلغة تضرب في عمق الوعي الثقافي والاجتماعي. نعم، له دور كبير.
س: ما الذي تحلمين بكتابته؟
مريم: أحلم أن أكتب كل ما أعجز عن قوله في الحياة اليومية، أن أفرّغ مشاعري لتستقيم حياتي المهنية كأستاذة في مادة علوم الحياة، فالتفريغ بالكتابة يعيد إليّ الطمأنينة.
س: ما الذي يخيفكِ؟
مريم: أن أتوقف عن الكتابة، فهي مصدر أكسجيني الروحي. أيضاً الوقت والانشغالات تخيفني، لأنها تسحبني من عالمي الداخلي.
س: وأخيراً، لو وجّهتِ رسالة إلى الشعر، فماذا تقولين؟
مريم: ثقتي بك يا شعر أنك ستنقذني من الخراب.
خاتمة:
في هذا اللقاء الذي يفيض بالصدق، قريباً في إصدارات جديدة، تُشعل بها ذاكرة المعنى، وتترك في وجدان القارئ “رسالة شعر” جديدة.



