
” حين يقود الإعلام لا حين يقاد” …. للكاتب سعود السحيمي
فى الاعلام تتزاحم الأصوات حتى يكاد المعنى يختنق. وتمتد فيه المنصات كطرق لا تنتهي من X إلى Snapchat وصولا إلى TikTok. ولد جيل جديد لا يسأل كيف أظهر؟انما يسأل كيف أُحدث أثرا لا يمحى؟
هناك حيث تبدأ الحكاية لا يقف الإعلامي أمام كاميرا انما أمام فكرة،فكرة تشبة الشرارة الأولى. إن صدقت أضاءت الطريق وإن زيفت أحرقت صاحبها قبل أن تضلل غيره.
لم يكن الإعلام يوما كلمات تقال انما كان دوما معارك تخاض. بين الحقيقة والسطح و بين المعنى والضجيج و بين من يقود ومن يساق.
وفي قلب هذا الصخب يقف القائد الإعلامي كمن يحمل بوصلة في عاصفة. لا تغريه كثرة الطرق ولا يخيفه قلة السائرين معه. يعرف وجهته ولهذا لا يضيع.
هو لا يكتب ليملأ الفراغ انما ليكسره.
ولا يتحدث ليسمع انما ليفهم. كلماته ليست عابرة انما كأنها تنحت في ذاكرة الزمن.
يمر على الأحداث فلا يكتفي بوصفها انما يغوص فيها. يربط خيوطها ويخرج منها معنى لم يكن ظاهرا. كأن الحقيقة عنده ليست ما يقال انما ما يكتشف.
لكن وفي زاوية أخرى من المشهد ظهر نوع جديد من الحضور. سريع و لافت و صاخب. بعدسة تفتح وحدث يلتقط ومقطع ينشر. ثم يعلن صاحبه أنا إعلامي. وهنا يجب أن تقال الحقيقة كما هي. نقل الحدث ليس إعلاما انما جزء صغير منه.
أن تصور لا يعني أنك فهمت.أن تنشر لا يعني أنك أوضحت.أن تنتشر لا يعني أنك أثرت.
يا صناع المحتوى في Snapchat وTikTok. أنتم لستم خارج المشهد انما في قلبه. لكن بين أيديكم سلاح ذو حدين إما أن تصنعوا وعيا أو تضيفوا ضجيجا.
ليس المطلوب أن تتحولوا إلى صحفيين تقليديين لكن المطلوب أن تفهموا قيمة ما تفعلون.
قبل أن تنشر اسأل نفسك.ماذا أضفت؟هل نقلت الحقيقة؟ أم مجرد لقطة؟هل شرحت؟ أم اكتفيت بالإثارة؟ الإعلام ليس سباق من ينشر أولا انما من يقدم أفضل فهم.
والأخطر من ذلك أن تتحول المنصات إلى ساحات تضخيم. حيث يعاد نشر الحدث بلا سياق. فتتشكل صورة ناقصة تفهم خطأ وتبنى عليها قناعات.
وهنا لا تكون المشكلة في الخطأ فقط انما في أثره.
القائد الإعلامي لا يقلد لأنه يدرك أن النسخ ظل والظل لا يصنع شمسا. ولا ينجرف خلف الترند لأنه يعلم أن الموجة تعلو لحظة ثم تنكسر. أما الأثر فيمشي هادئا لكنه يصل.
هو ابن الاستمرارية لا ابن اللحظة. يبني حضوره كما تبنى المدن العظيمة. حجرا فوق حجر وفكرة فوق فكرة. حتى إذا اكتمل البناء لم يعد مجرد اسم انما معلما يشار إليه.
وفي كل مرة ينشر لا يكتفي بالصورة انما يمنحها معنى. لا يكتفي بالحدث انما يضعه في سياقه. لأنه يعلم أن المتلقي لا يحتاج أن يرى فقط انما أن يفهم.
وهنا تتجلى القاعدة التي يصنع بها الفارق. كل ما تنشره إما أن يرفع وعيا أو يضيف فوضى.
لا تبحث عن التصفيق فالتصفيق يهدأ. ولا عن الجدل فالجدل يستهلك نفسه. ابحث عن الأثر فالأثر هو ما يبقى. فلا يقاس الإعلامي بعدد المشاهدات انما بعمق ما يتركه بعد أن تنتهي المشاهدة.
فإن أردت أن تقود الإعلام فلا تبدأ بالكاميرا ابدأ بالفكرة. ولا تبدأ بالنشر ابدأ بالوعي. ولا تسأل كم شاهدني الناس؟بل اسأل ماذا بقي فيهم بعدي؟
هناك لا تكون صانع محتوى عابر انما تصبح أثرا لا ينسى.



