تقارير

الكتابة كصدى داخلي . حوار خاص مع الكاتب السعودي وائل الحفظي حول روايته ترف الانكفاء.

إعداد وتقديم: عبدالرحمن الكتبي

صحيفة أخباركم

في زمنٍ تتسارع فيه الإيقاعات وتتآكل فيه المسافات بين الإنسان وذاته، يستوقفنا صوت أدبي يتأنّى، ينحاز للبطء والتأمل، ويجعل من اللغة مأوى للتساؤل لا للإجابات الجاهزة.
في هذا الحوار، تفتح صحيفة أخباركم نافذة على العالم الداخلي للكاتب السعودي وائل الحفظي، الذي يسلك طريق الكتابة لا كمجرد صنعة، بل كطقسٍ للإنصات لما لا يُقال.
من خلال روايته اللافتة ترف الانكفاء، نستكشف معه خيوط العزلة، ومفارقة الانسحاب كفعل مقاومة، وحدود اللغة بين التلميح والتجلي.

نصح الحوار:

*من هو وائل الحفظي؟*

س: أهلاً وسهلاً بك أستاذ وائل.
وائل: أهلاً وسهلاً بك أستاذ عبدالرحمن الكتبي ، ويسعدني أن أتواجد هنا في صحيفة أخباركم.
س: بدايةً، كيف تود تقديم نفسك للقارئ؟ كروائي؟ مفكر؟ أم كإنسان يتكئ على اللغة ليشرح ما لا يُشرح؟
وائل: ربما أنا شخص يحاول أن يُصغي أكثر مما يتكلم. لا تعنيني المسميات كثيراً، لكنها قد تكون ضرورية للآخرين. أرى نفسي كإنسان يتكئ على اللغة، لا ليفسر العالم، بل ليترك فيه صدًى من سؤال أو ارتباك. أكتب لأبقى قريباً من ذلك الجزء في داخلي الذي لا يتكلّم إلا عبر الكتابة.

*عن رواية ترف الانكفاء*

س: روايتك ترف الانكفاء تحمل عنواناً لافتاً ومشحوناً بالدلالات، ما القصة وراء اختيار هذا العنوان .


وائل: الانكفاء قد يبدو انسحاباً، لكنه في سياق الرواية فعل مقاومة صامت. أما الترف، فهو هنا ليس دلالاً، بل نوع من الوعي الحاد بالذات. اخترت هذا العنوان لأنه يحتمل التناقض: أن يكون الانسحاب فعلاً جمالياً، وربما أخلاقياً، في زمن بات الحضور فيه استهلاكاً للمعنى.
س: ما الفكرة الجوهرية للرواية؟ وهل يمكن اعتبارها سيرة متخفية؟
وائل: الرواية ليست وعاء لفكرة جاهزة، بل مساحة لطرح الأسئلة التي لا تجد مكاناً في الكلام اليومي.


أما اعتبارها سيرة متخفية؟ فهذه تهمة لطيفة، لكنها غير دقيقة. الرواية ليست قناعاً، بل احتمال… وما يشبهني فيها قد يشبه غيري أيضاً.
س: إلى أي حد تعكس الرواية تجربة شخصية؟
وائل: لا أكتب لأفرغ ذاتي على الورق، بل لألتقط ما يتجاوزني. قد تتقاطع بعض المزاجات، نعم، لكن الرواية كائن مستقل… قد تكون أذكى من كاتبها أحياناً.

*العزلة واللغة والكتابة*

س: كيف تصف العلاقة بين العزلة والكتابة؟ وهل الانكفاء ترف فعلاً كما توحي الرواية؟
وائل: العزلة شرط داخلي. من دون عزلة داخلية، لا أستطيع أن أكتب. الانكفاء ليس دائماً ترفاً، لكنه في لحظة ما قد يكون الملاذ الأكثر نبلاً.
س: تميزت الرواية بلغة شاعرية وتأملية، كيف ترى اللغة في كتاباتك؟
وائل: اللغة كائن له مزاجه. لا أتعامل معها كأداة، بل كرفيق لا يطمئن للسرد التقليدي. أحياناً تحمل الفكرة، وأحياناً تصبح هي الفكرة.

*الرواية والمشهد الأدبي*

س: كيف ترى موقع الرواية السعودية اليوم وهل تؤمن أن الرواية باتت بديلاً عن الشعر في التعبير عن الواقع ؟
وائل: الرواية في السعودية تعيش لحظة تنويع وتجريب، وهذا مبشّر. لا أراها بديلاً عن الشعر، بل استجابة مختلفة لقلق مشابه.
س: هناك انشغال واضح بالداخل في روايتك، هل هذا توجه عام في الرواية العربية؟
وائل: ربما لم يعد الخارج مقنعاً بما يكفي. الداخل، بتمزقه وتشظّيه، بات أكثر صدقاً من عناوين الأخبار.

*التحديات وردود الأفعال*

س: ما التحديات التي واجهتك أثناء كتابة الرواية؟
وائل: أهم تحدٍ كان مقاومة الرغبة في الإيضاح. أحياناً، الصمت أصدق من الكلمات.
س: كيف كانت ردود الأفعال الأولى؟
وائل: تلقيت قراءات متباينة، وهذا أسعدني. النقاد التفتوا للغة، والقراء التقطوا التفاصيل الإنسانية… كلاهما أنصف الرواية بطريقته.

*الكتابة… مقاومة أم نجاة؟*

س: هل ترى الكتابة فعل مقاومة أم محاولة نجاة؟
وائل: هي الاثنين. مقاومة لأنها تتطلب بطئاً وتأملاً، ونجاة لأنها تُبقي ما هو هش فينا حياً.
س: ماذا تكتب الآن؟ وهل من مشروع جديد؟
وائل: أكتب، لكن لا ألاحق مشروعاً محدداً، بل أفتح نافذة للدهشة كلما شعرت أنني اقتربت من صوتٍ داخلي يستحق الإنصات.

في حديثه، بدا وائل الحفظي كمن يكتب حتى وهو يتكلم؛ هادئاً متأملاً، لا يسعى لتفسير الأشياء بل لمساءلتها.
من ترف الانكفاء إلى مشروعه القادم الذي لم تتضح ملامحه بعد، يظل الحفظي وفياً لذلك الصوت الخافت داخله، الذي لا يُملي عليه الكتابة، بل يهمس بها.
وبين العزلة واللغة، بين الرواية كسؤال والرؤية كأثر، يترك لنا الكاتب أثراً لا يُقاس بالكلمات بل بما تثيره من صدى فينا، صحيفة أخباركم كانت شاهدة على ميلاد كاتباً بديع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى