مقالات

ما وراء التمويل: كيف تحول خطة المنح من “صرف ميزانية” إلى “صناعة أثر” بقلم الكاتب محمد بن عبدالله الشهراني

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع غير الربحي، والانتقال من مفهوم “الرعوية” المباشرة إلى “التنموية” المستدامة، لم تعد عملية المنح مجرد تحويل مالي من جهة مانحة إلى جهة منفذة. لقد تطورت لتصبح “صناعة” متكاملة تتطلب هندسة دقيقة لتعظيم العائد الاجتماعي على الاستثمار (SROI).
إن حجر الزاوية في نجاح أي مؤسسة مانحة لا يكمن فقط في ضخامة محفظتها المالية، بل في قدرتها على بناء خطط منح تستوعب وتفهم بعمق “دورة حياة المنحة” (Grant Lifecycle). هذا الاستيعاب هو الفارق الجوهري بين المبادرات التي تنتهي آثارها بانتهاء التمويل، وتلك التي تصنع أثراً عميقاً ومستمراً.
لماذا يُعد فهم مراحل المنح ضرورة لتخطيط ناجح؟
عندما تبني المؤسسة خطتها بناءً على فهم دقيق لمراحل المنحة (ما قبل المنح، أثناء التنفيذ، وما بعد الإغلاق)، فإنها تحقق مكاسب استراتيجية متعددة لا يمكن للتخطيط التقليدي توفيرها:

  1. دقة الموازنات وتخصيص الموارد
    كثير من خطط المنح التقليدية تقع في فخ تخصيص الموارد لمرحلة “التنفيذ” فقط، مغفلةً التكاليف الحيوية الأخرى. التخطيط المبني على دورة الحياة يفرض تخصيص ميزانيات مستقلة لكل مرحلة: ميزانية للبحث وتصميم التدخل (ما قبل المنح)، وميزانية للرقابة والمتابعة (أثناء المنح)، وميزانية لقياس الأثر والتقييم (ما بعد المنح). هذا يضمن خطة مالية تغطي تكاليف “الجودة” والأثر، وليس تكاليف “النشاط” فقط.
  2. إدارة المخاطر بفعالية واستباقية
    كل مرحلة من مراحل المنحة تحمل نوعاً مختلفاً من المخاطر التي يجب التخطيط لها. فمرحلة الفحص تتطلب التحوط من خطر اختيار شريك غير مؤهل، ومرحلة التنفيذ تتطلب إدارة مخاطر الانحراف عن الأهداف، بينما تحمل مرحلة الإغلاق خطر ضياع الدروس المستفادة. التخطيط الواعي يضع “نقاط تفتيش” (Checkpoints) ومؤشرات أداء خاصة بكل مرحلة، مما يسمح بالتدخل المبكر والمعالجة الفورية.
  3. التحول الجوهري في منهجية العمل
    استيعاب دورة حياة المنحة ينقل المؤسسة من “التخطيط الخطي الجامد” إلى “التخطيط المرن والدائري”. في النموذج التقليدي، يكون التركيز منصباً على “صرف الميزانية” قبل نهاية العام المالي، وتكون الجداول الزمنية مضغوطة وغير واقعية، وتقتصر البيانات على “التقارير الختامية”.
    أما في التخطيط الحديث المبني على المراحل، يتحول التركيز إلى “تحقيق الأثر” في كل خطوة، وتصبح الجداول الزمنية مرنة لتراعي وقت التصميم والتقييم، وتتدفق البيانات بشكل مستمر طوال عمر المشروع، مما يسمح بالتعديل والتحسين أثناء العمل لا بعد انتهائه.
    خارطة طريق: كيف تعكس مراحل المنح في خطتك القادمة؟
    لبناء خطة منح محكمة وناضجة، يجب دمج المراحل الأربع التالية في صلب الوثيقة الاستراتيجية للمنظمة:
  • أولاً: مرحلة التصميم والتخطيط (Design): يجب ألا تبدأ الخطة بسؤال “كم سنمنح؟” بل “ما هي الفجوة؟”. الخطط الناجحة تخصص وقتاً وموارد كافية لدراسة الاحتياج المجتمعي وتحليل المشكلة قبل طرح كراسات الشروط أو استقبال الطلبات.
  • ثانياً: مرحلة الاختيار والتعاقد (Select & Award): تتضمن هذه المرحلة وضع معايير حوكمة واضحة لاختيار الشركاء، وتحديد المدة الزمنية اللازمة للفحص النافي للجهالة (Due Diligence)، لضمان وصول المنح للمؤسسات الأكثر كفاءة وملاءمة.
  • ثالثاً: مرحلة المتابعة والتوجيه (Monitor & Guide): هنا تنتقل المؤسسة المانحة من دور “المراقب المالي” الصارم إلى دور “الشريك الموجه”. الخطة يجب أن تتضمن زيارات ميدانية وجلسات دعم فني، وربط الدفعات المالية بـ “معالم الإنجاز” (Milestones) وليس مجرد تواريخ زمنية.
  • رابعاً: مرحلة التعلم والقياس (Learn & Measure): هذه هي المرحلة التي تُغفل غالباً في الخطط التقليدية. يجب تخصيص وقت وموارد بعد انتهاء المشاريع لتحليل البيانات والإجابة عن: ما الذي نجح؟ ولماذا؟ وكيف نعكس هذه الدروس في خطة العام القادم؟ لتصبح عملية المنح دورة مستمرة من التحسين.
    الخاتمة
    إن استيعاب مراحل المنح ليس مجرد إجراء إداري شكلي، بل هو عقلية مؤسسية. عندما نخطط بناءً على دورة حياة متكاملة، فإننا نتحول من مجرد “دافعين للفواتير” إلى “صناع تغيير”. الخطط التي تحترم هذه المراحل هي التي تنتج مشاريع أقل تعثراً، وعلاقات أكثر متانة مع الشركاء، وبالتأكيد، أثراً أعمق وأكثر استدامة في المجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى