مقالات

رحلة في مفهوم الثقافة والمثقف بين المثقف الحقيقي ومدّعي المعرفة …. أين تقف الحدود. للكاتبة صابرين البحري

في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتناسل فيه الترندات بلا هوادة، يطل علينا سؤالٌ حارق:
هل لا يزال المثقف يؤدي دوره الفعلي في التأثير بالمجتمع العربي، أم أن وهجه قد خبا تحت سطوة الإعلام الحديث وصخب الموضة الرقمية؟

دور المثقف اليوم معقّد ومتأرجح!
من جهة، ما زال هناك مثقفون حقيقيون يحملون همّ الوعي والتغيير؛ يكتبون، يناقشون، ويؤثرون ولو في دوائر محدودة. تلمحهم بين صفحات الكتب، وفي ثنايا المقالات العميقة، أو عبر قنوات اليوتيوب التي تقاوم طوفان السطحية. هؤلاء يعملون “بصمت”، كالشموع التي تحترق لتنير للآخرين الطريق.

ومن جهة أخرى، الفضاء الرقمي أصبح عاصفاً وضاجًا؛ السوشيال ميديا، والإعلام اللحظي، والترندات السريعة باتت تخطف الأضواء وتعيد تشكيل الاهتمامات. الناس تميل الآن إلى الصور السريعة والمعلومات المختصرة، أكثر من صبرها على قراءة مقالة فكرية أو التعمق في كتاب.

باختصار:
المثقف لم يختفِ… لكنه صار “محاصرًا” وسط بحر من الضجيج الرقمي.
وللأسف، كثيرون باتوا يظنون أن متابعة “مقطع تحفيزي” أو “اقتباس من حكيم” كافٍ ليكون المرء مثقفًا، غافلين عن أن الثقافة الحقيقية تحتاج إلى تعب، قراءة، فهم، وتأمل عميق. من هنا، نغوص معًا في رحلة لفهم مفهوم الثقافة والمثقف، لا من باب المعلومات السطحية، بل ببحثٍ أعمق عن الجوهر الذي يصنع الأمم ويغير المجتمعات.

من هو المثقف؟
منذ القدم، ظل سؤال “من هو المثقف؟” معلقًا في فضاءات الفكر، يثير الجدل ويؤجج النقاش بين الفلاسفة والمفكرين شرقًا وغربًا. ولم يهدأ هذا الخلاف مع مرور الزمن، بل زاد حدةً وتعقيدًا، خصوصًا مع انبثاق عصر التنوير الذي أزاح كثيرًا من مسلمات القرون الماضية. وسرعان ما وجدت هذه الموجات الفكرية طريقها إلى العالم العربي، فحمل المفكرون العرب راية البحث عن تعريف لهذا الكائن الغامض: المثقف.
أولًا: من أين جاءت لفظة الثقافة؟
إذا نحن رجعنا إلى أصول اللغة العربية وفتحنا معاجمها بحثًا عن جذر (ثقف)، فلن نجد فيه الدلالة المعاصرة التي تُفهم اليوم من كلمة “ثقافة”. فلا في القواميس القديمة ولا في أدبيات التراث نجد شيئًا يُسمى “مثقفًا” أو “ثقافة” بمعناها الحديث.

فمتى إذن دخلت هذه الكلمة إلى حياتنا الفكرية؟
كان ذلك مع المفكر المصري سلامة موسى، أحد أبرز أعلام الفكر الحديث، الذي عاش حتى القرن العشرين. استلهم موسى المصطلح من الثقافة الفرنسية، فترجمه واستحدثه ليؤدي معانٍ جديدة لم تعرفها العربية من قبل.
ومن هنا كانت البداية:
•⁠ ⁠”ثقافة”
•⁠ ⁠”مثقف”
•⁠ ⁠”ثقافي”
مصطلحات حديثة العهد باللسان العربي، بلا جذور تراثية عميقة.

ما هي الثقافة؟
إذا أردنا أن نلخص آلاف الصفحات التي كُتبت حول تعريف الثقافة، فإننا نستطيع أن نميز بوضوح بين معنيين رئيسيين لها:
أولًا: المعنى السوسيولوجي (الاجتماعي)
في هذا الإطار، الثقافة هي: ما يتوارثه الأبناء عن الأجداد من قيم ومعتقدات وتقاليد وعادات. كما أوضح شيخ العربية محمود شاكر، أن الثقافة ليست محصورة في الكتب والأفكار، بل هي أيضاً الزي والمأكل والمسكن.
أمثلة :
•⁠ ⁠الزي السعودي التقليدي = ثقافة
•⁠ ⁠العباية النسائية = ثقافة
•⁠ ⁠الكبسة، ذلك الطبق العابق برائحة التاريخ = ثقافة

إنها الميراث الحي الذي ينقله الزمن من جيل إلى جيل. وكما أن البرغر يمثل ثقافة أمريكية، والبيتزا ثقافة إيطالية، كذلك تنتقل هذه الرموز مع الشعوب لتكوّن ملامح هويتها. ويؤكد المفكر عبد الوهاب المسيري هذه الرؤية، حين يرى أن الثقافة تتجسد في تفاصيل الحياة اليومية.
دليل إضافي:
حينما رفض الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك فتح فرع لماكدونالدز بجوار برج إيفل، لم يكن يرفض مجرد مطعم، بل كان يحمي هوية شعبه من غزو ثقافة أخرى!
ثانيًا: المعنى المعرفي (العلمي)

الاستعمال الثاني، وهو الاستعمال المعرفي:
وهو أكثر تعقيدًا وتداخلًا في تحديد من هو المثقف. هناك عدة تعريفات كثيرة جدًا، منها: “المثقف هو الناقد”، ⁠ومنها: “المثقف هو المتخصص”، وغيرها. لكن المهم أن نفهم الثقافة في إطارها المعرفي.

أعمدة الثقافة تدور حول أربعة علوم مستقلة:
•⁠ ⁠الدين
•⁠ ⁠الأدب
•⁠ ⁠التاريخ
•⁠ ⁠الفلسفة
الذي لديه إلمام بسيط بهذه العلوم يُسمى: مطلع.
الذي لديه إلمام متوسط بها يُسمى: مثقف.
الذي لديه إلمام معمق يُسمى: مثقف عالٍ.
الذي لديه قدرة على النقد والكتابة البحثية فيها يُسمى: باحث ثقافي (ناقد).
الذي يستطيع إنتاج مفاهيم جديدة فيها يُسمى: مفكر.

نأتي إلى هذه العلوم الأربعة:
كل علم منها له تاريخه وقضاياه ومشكلاته ورموزه (أعلامه).

مثال: علم الدين
له تاريخه، وقضاياه، ومشكلاته، ورموزه.
وداخل هذا العلم توجد تفريعات عديدة أصبحت تخصصات مستقلة.

فمثلًا في الإسلام، نجد كتبًا تجمع بين مفهوم الإسلام وتاريخه وقضاياه وأعلامه، بشكل موجز.
لكن نجد داخل العلم الشرعي تخصصات مثل:
•⁠ ⁠علم التفسير
•⁠ ⁠علم الحديث
•⁠ ⁠أصول الفقه
•⁠ ⁠علم العقيدة
•⁠ ⁠وغيره
المتخصص في علم الحديث، من الطبيعي أن يكون ملمًّا بصورة إجمالية بالتخصصات الشرعية الأخرى، وأحيانًا قد يلم بها تفصيلًا إن اجتهد. هذا في إطار علم الدين، وطبعًا لا نسميه “مثقفًا”، بل “متخصصًا”.
النتيجة:
(ليس كل متخصص مثقفًا.)
ونطبق ما ذكرناه على بقية العلوم الثلاثة: الفلسفة، والتاريخ، والأدب. ولا يزال هناك أمر دقيق يجب فهمه،
وهو: التداخل بين بعض العلوم، بسبب التطور الذي يعتري على كل علم، وما يضيفه علماؤه إليه.
مثال:
الأدب والفلسفة متداخلان بصورة كبيرة. فالمتخصص في الأدب ضروري ومضطر أن يقرأ في الفلسفة،
لأن الفلسفة أصبحت جزءًا أساسيًا من الأدب.
مثال آخر:
الأدب كعلم له فروع كثيرة جدًا، وهذه الفروع أصبحت تخصصات اليوم، مثل:
•⁠ ⁠تاريخ الأدب العالمي
•⁠ ⁠تاريخ الأدب الأوروبي، والذي يتفرع إلى: الإنجليزي، والفرنسي، والألماني … إلخ.
•⁠ ⁠تاريخ الأدب العربي بأقاليمه المعروفة.
•⁠ ⁠الأدب اليوناني والفارسي … إلخ.

وكلها تقسم إلى قسمين: قديم وحديث.

مثال: تاريخ الأدب العربي الحديث نتحدث عن حقبة القرن التاسع عشر وما بعدها.
في التاريخ:
•⁠ ⁠”الحديث” يؤرخ له من الثورة الفرنسية حتى ما قبل الحرب العالمية الأولى.
•⁠ ⁠”المعاصر” يؤرخ له من بعد الحرب العالمية حتى يومنا هذا تقريبًا.

(وطبعًا يوجد خلاف بين المؤرخين حول هذا التقسيم). فالأدب له تاريخ: قديم، وحديث، ومعاصر.

نأتي إلى بقية فروع الأدب:
مثل المدارس الأدبية، وهذه أيضًا تقسم إلى: قديم وحديث ومعاصر.
(المدارس تعني الطرائق والأجناس الأدبية التي أسسها علماء متعاقبون).
هذه المدارس تتفرع داخليًا إلى تخصصات مثل: البلاغة والنقد الأدبي.
(وهذه هي قضايا الأدب ومشكلاته كعلم مستقل).
الأدب من حيث الإنتاج ينقسم إلى قسمين:

•⁠ ⁠منظوم: وهو الشعر وبحوره وأعمدته قديمًا وحديثًا.
مثال: ديوان أدبي، يُعتبر إنتاجًا أدبيًا، وهو الأدب ذاته.

•⁠ منثور: ويشمل الرواية، والقصة، والمقالة، والسيرة الذاتية، والخواطر، منها القديم والحديث والمعاصر.
وهذه الإنتاجات الأدبية يعتمد عليها تاريخ الأدب، وقضاياه، وأعلامه.

التداخل بين العلوم:
هناك نصوص كتبها فلاسفة بأسلوب أدبي؛ مثل أن يكتبوا رواية أو قصة أو شعرًا يحمل مضمونًا فلسفيًا.
وهنا يحصل تداخل معرفي بين الفلسفة والأدب.
نسمي هذا النوع: “الأدب المسكون بالفلسفة” أو “الأدب الفلسفي”.

أمثلة:
جبران خليل جبران: فيلسوف وأديب، يعبّر عن أفكاره الفلسفية من خلال الأدب. عبد الرحمن منيف – نجيب محفوظ كلاهما متعمّقان في الفلسفة، لكنهما يوظفانها بأسلوب أدبي.

النتيجة:
الرواية جنس أدبي قد يحمل مضمونًا فلسفيًا أو دينيًا أو اجتماعيًا، وكذلك الشعر. كما أن الدين والتاريخ والفلسفة والأدب غالبًا مترابطة، ويوجد بينها تداخل عميق. ومن يلم بهذه العلوم وتفريعاتها بشكل جيد يُعد مثقفًا.

العلم الخامس الجديد:
ظهر منذ حوالي ٢٠٠ سنة، وأضيف إلى العلوم الأربعة، وهو ما نُسميه: العلوم الإنسانية والاجتماعية، مثل:
•⁠ ⁠الفلسفة الحديثة والمعاصرة
•⁠ ⁠العلوم السياسية
•⁠ ⁠علم النفس
•⁠ ⁠وغيرها.

وكل علم منها تخصص واسع وعميق، وله تاريخه، وقضاياه، وأعلامه.

وهكذا ندرك أن الثقافة ليست زخرفًا لفظيًا ولا شهادة أكاديمية، بل هي رحلة شاقة وممتعة في آن، تتطلب أن يطوف الإنسان بربوع الدين، والأدب، والتاريخ، والفلسفة، ويغترف من ينابيع العلوم الإنسانية الحديثة. الثقافة بناء داخلي عميق، لا يرى بالعين المجردة، لكنه يشع نورًا في الفكر والسلوك والكلمة. في زمن السرعة، يبقى المثقف الحقيقي هو ذاك الذي يقاوم الانجراف، ويصنع من كل فكرة منارةً تضيء الدرب لمن يأتون من بعده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى