مقالات

حين يغلب الحب الهمّ.. سر الدعاء للغير .. بقلم الإعلامي عبدالله بنجابي

إنك لما تذكر أحداً في سجودك وأنت في قمة كربك، فإنك تمارس أرقى مستويات النبل الإنساني؛ لأنك آثرت سعادته على شكواك، فكانت المكافأة الإلهية الفورية من رب العالمين هي أن “نسيت أنك المهموم”. ففي محراب السجود، تسقط الأقنعة وتعرى القلوب تماماً أمام خالقها، ومن أجمل صور القرب والوفاء أن يتلعثم لسانك بذكر أوجاعك الشخصية، فينطلق بذكر من تحب طلباً للخير والتوفيق له. في تلك اللحظة الروحانية تحديداً، يتجلى كرم الله ولطفه بعبده؛ فبينما أنت مشغولٌ بإسعاد غيرك بدعوة صادقة تخرج من أعماق قلبك، يزرع الله في صدرك نسياناً جميلاً لكل ما أهمك، وكأنّ العطاء للآخرين كان هو الطريق المختصر لشفاء روحك وتطهيرها من كدر الحياة.

وعندما يسجد الإنسان مثقلاً بالهموم والمسؤوليات، فإنه عادة ما يبحث عن كلمات تصف حجم ألمه وضيق صدره، ولكن حين يغلب الوفاء والود الصادق ويجد المرء نفسه يلهج بالدعاء لشخص آخر، يحدث تحول مذهل وعجيب في كيمياء النفس. هذا “النسيان” الذي يغمر الروح في تلك اللحظة ليس غياباً للوعي أو تجاهلاً للواقع، بل هو استعلاء روحاني سامٍ على الألم، حيث يجد القلب كفايته وطمأنينته في أن يكون وسيلة وعطاءً يعبر منه الخير للآخرين، لتصبح أصدق وأطهر لغات الحب هي تلك التي تُهمس في السجود حيث لا يسمعك ولا يراك إلا الله. إنها حالة من الصفاء تجعل من الهم الشخصي أمراً ثانوياً أمام عظمة الاتصال بالله والتمني الصادق بالخير للغير.

إن هذا السمو بالروح، والقدرة على ممارسة هذه الروحانية العالية والسكينة النفسية، لا يمكن أن يتحقق إلا في قلوبٍ تملأها الطمأنينة وتعيش في كنف بيئة مباركة ترعى القيم الإنسانية وتصون المقدسات الروحية. ونحن إذ ننعم بهذه اللحظات الإيمانية في أمن وأمان، نرفع أكف الضراعة شكراً لله أولاً، ثم بالدعاء لمقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهم الله، على ما يبذلونه من جهود جبارة ورؤية حكيمة جعلت من هذا الوطن المعطاء ملاذاً للسكينة ومنبراً عالمياً للقيم الروحية السامية التي تسمو بالإنسان. فالدعاء للآخرين في ظل وطن مستقر وقيادة ملهمة هو الترياق الحقيقي لنفوسنا، يعيد ترتيب فوضى القلب، ويمنحنا القوة لمواجهة الحياة بروحٍ مطمئنة تؤمن أن سعادة الآخرين هي جزء لا يتجزأ من سعادتنا الشخصية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى