
خالد العنقري …… حين يتحول الحجر إلى فكرة وهوية
في عالم النحت لا يكون الحجر مجرد كتلة صامتة بل يتحول بين يدي الفنان إلى لغة بصرية تحمل الفكرة والذاكرة والهوية ومن هذا المنطلق يواصل الفنان السعودي خالد العنقري رحلته الفنية التي بدأت عام 1994 مستلهمًا من الرخام والجرانيت والأحجار المحلية أعمالًا تجمع بين التجريد والاختزال والحوار العميق بين الكتلة والفراغ.
وفي هذا الحوار يحدثنا الفنان خالد العنقري عن تجربته ورؤيته الفنية وعلاقته بالحجر ومستقبل فن النحت في ظل التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي.
من هو الفنان خالد العنقري؟
أنا خالد العنقري فنان نحت سعودي أمارس فن النحت منذ عام 1994 وُلدت في مدينة الدوادمي عام 1965 وتخصصت في النحت على الحجر خصوصًا الرخام والجرانيت والأحجار المحلية.
درست الفلسفة وعلم النفس وكان لهذا التكوين أثر واضح في رؤيتي الفنية وطريقة تعاملي مع العمل النحتي إذ أجد أن الفن مساحة للتأمل والتفكير وطرح الأسئلة بقدر ما هو مساحة للجمال والإبداع.
كيف تصف فنك وتجربتك الفنية؟
فني قائم على الحوار بين الفكرة والخامة والفراغ أميل إلى الاختزال والتجريد وأبحث عن الجمال الكامن داخل الحجر مع المحافظة على حضور المادة وخصوصيتها.

أؤمن بأن كل خامة تحمل شخصيتها الخاصة وأن دور الفنان ليس فرض شكل عليها فقط بل الدخول معها في حوار فني للوصول إلى النتيجة التي تكشف إمكاناتها الجمالية.
ما الذي دفعك إلى اختيار النحت تحديدًا؟
وجدت في النحت التحدي والمساحة التي تسمح بالتعامل المباشر مع المادة وتحويل الكتلة الصامتة إلى فكرة وشعور الحجر بالنسبة لي ليس مجرد خامة بل هو شريك في بناء العمل.
إن عملية النحت تحتاج إلى الصبر والتركيز والتأمل وهي رحلة تبدأ من قراءة الكتلة واكتشاف إمكاناتها قبل البدء في تشكيلها.
من الفنان الذي أثر فيك في بداية مشوارك؟
تأثرت بالمدرسة الإيطالية والأوروبية في النحت وبشكل خاص بأعمال مايكل أنجلو، لما تحمله من قوة في التعامل مع الكتلة والقدرة على إبراز الإنسان والفكرة من داخل الحجر.

هل تتذكر أول قطعة نحتية أنجزتها؟
نعم وما زلت أتعامل معها اليوم باعتبارها بداية رحلة طويلة ربما لم تكن مكتملة من الناحية التقنية لكنها كانت مهمة بالنسبة لي لأنها كشفت لي أن النحت هو المجال الذي أريد الاستمرار فيه.
كيف تطورت رؤيتك الفنية خلال مسيرتك؟
بدأت من الاهتمام بالشكل والمهارة التقنية ثم أصبحت مع مرور الوقت أكثر اهتمامًا بالفكرة والمعنى والفراغ وأصبحت أبحث عن لغة خاصة تجمع بين التجريد وخصوصية الحجر المحلي بحيث يكون للعمل حضوره الفني المرتبط بتجربتي وبيئتي.
ما المواد التي تفضل العمل بها؟ وهل جربت خامات جديدة؟
أفضل العمل بالرخام والجرانيت، وخاصة الأحجار المحلية، لما تحمله من لون وملمس وذاكرة مكانية. وفي الوقت نفسه، أحرص على التجريب واكتشاف إمكانات خامات وأساليب جديدة.

كيف تتعامل مع الخطأ أثناء النحت؟
الخطأ في النحت قد يكون خسارة مادية لكنه أحيانًا يقود إلى اكتشاف فني جديد. لذلك أحاول ألا أتعامل معه باعتباره نهاية للعمل بل فرصة لإعادة التفكير والنظر إلى المنحوتة من زاوية مختلفة.
هل تعتمد على التقنيات الحديثة أم التقليدية؟
أؤمن بأهمية الاثنين الأدوات التقليدية تمنح الفنان علاقة مباشرة مع الحجر بينما تساعد التقنيات الحديثة في الدقة والتخطيط والتنفيذ المهم في النهاية أن تبقى التقنية في خدمة الفكرة لا أن تصبح الفكرة خادمة للتقنية.

كيف تتعامل مع الفراغ في أعمالك؟
الفراغ بالنسبة لي جزء من المنحوتة وليس مجرد مساحة تحيط بها أحيانًا يكون الفراغ هو الذي يمنح الكتلة معناها وإيقاعها وحركتها ولذلك أتعامل معه بوصفه عنصرًا أساسيًا في بناء العمل.
ما الموضوعات التي تتكرر في أعمالك؟
الإنسان والجمال والروح، والتجريد والعلاقة بين الكتلة والفراغ إضافة إلى الهوية والمكان كما تحضر في أعمالي موضوعات مرتبطة بالتراث والثقافة السعودية.
كيف يعكس عملك واقع المجتمع والقضايا المعاصرة؟
أحاول أن يكون العمل مرتبطًا ببيئته وزمنه وأن يعبر عن الهوية السعودية بطريقة معاصرة دون أن يتحول الفن إلى خطاب مباشر أؤمن بأن العمل الفني يستطيع أن يحمل رسالة أو فكرة من خلال لغته البصرية دون الحاجة إلى الشرح المباشر.

هل هناك عمل قريب إلى قلبك؟
الأعمال التي استخدمت فيها الحجر المحلي قريبة مني بشكل خاص لأنها تجمع بين التجربة الشخصية وذاكرة المكان وتشعرني بأنني لا أنحت الحجر فقط بل أوثق جزءًا من بيئتي.
ما أبرز تحديات النحات العربي اليوم؟
من أبرز التحديات ارتفاع تكلفة الخامات والأدوات وتوفير الورش والمساحات المناسبة للعمل إضافة إلى ضعف التسويق والاقتناء مقارنة بحجم الجهد والوقت الذي يتطلبه العمل النحتي.
كيف ترى مستقبل النحت مع الذكاء الاصطناعي والطباعة ثلاثية الأبعاد؟
أراها أدوات جديدة ومهمة، ويمكن أن تقدم للفنان إمكانات واسعة في التصميم والتخطيط والتجريب لكنها لن تلغي جوهر النحت سيبقى هناك فرق بين إنتاج شكل رقمي وبين أن يعيش الفنان تجربة التعامل مع الحجر وتحويله بيده إلى عمل فني.

هل أصبح النحت أقل حضورًا من الفنون الرقمية والتركيبية؟
قد يكون أقل سرعة في الانتشار، لكنه ليس أقل أهمية. النحت يمتلك حضورًا ماديًا وذاكرة طويلة والعمل الجيد يستطيع أن يفرض نفسه مهما تغيرت اتجاهات السوق أو تطورت الوسائط الفنية.
ما أكبر أمنية فنية تتمنى تحقيقها؟
أتمنى تنفيذ مشروع نحتي كبير يكون مرتبطًا بالمكان والهوية السعودية ويكون إضافة حقيقية إلى المشهد النحتي في المملكة.
ما نصيحتك للنحات الشاب؟
أن يتعلم باستمرار ويصبر على الخامة وألا يستعجل الوصول إلى أسلوبه الخاص الأهم أن يعمل كثيرًا، ويقرأ ويرى ويجرب وألا يخاف من الخطأ لأن التجربة والممارسة هما الطريق الحقيقي لتطوير الفنان.
هل هناك مشروع أو معرض قادم؟
أعمل حاليًا على تطوير مجموعة من الأعمال النحتية الجديدة وأطمح إلى تقديمها ضمن مشاريع ومعارض تتيح لي مواصلة تجربتي في النحت على الحجر المحلي.

برأيك ما الذي يجعل العمل النحتي خالدًا؟
الفكرة الصادقة واللغة الفنية الخاصة وجودة التنفيذ وقدرة العمل على تجاوز زمنه ومخاطبة الإنسان في أزمنة مختلفة العمل الخالد هو الذي يبقى قادرًا على إثارة السؤال والشعور.
شهدت مسيرة الفنان خالد العنقري مشاركات متنوعة في عدد من المعارض والملتقيات التشكيلية وورش العمل والحوارات الفنية، ومن أبرزها:
- المشاركة في الإقامة الفنية الثالثة في جدة التاريخية عام 2022، التي نفذتها وزارة الثقافة بالشراكة مع برنامج جودة الحياة لمدة ستة أسابيع.
- المشاركة في ديسمبر 2022 بعمل نحتي مباشر بلغ ارتفاعه 290 سم × 60 سم × 60 سم في محافظة الأحساء ضمن فعاليات مهرجان واحة الأحساء.
- المشاركة في المعرض السعودي الدولي للحرف اليدوية والتراث «بنان» عام 2023 في واجهة الرياض.
- المشاركة في معرض ضمن ملتقى بنك التنمية الاجتماعية لريادة الأعمال وأنماط العمل الحديثة تحت شعار (DeveGo) خلال الفترة من 22 إلى 23 يناير 2024م في مركز الملك عبدالعزيز الدولي للمؤتمرات بالرياض.
كما يحمل عددًا من العضويات والأدوار الفنية والمجتمعية من أبرزها:
- عضو الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون.
- عضو الجمعية السعودية للفنون التشكيلية SAFA.
- مؤسس نادي النحت على منصة هاوي السعودية.
- نائب رئيس جمعية الأنميشن السعودية.
- عضو في عدد من الجمعيات المحلية بمحافظة الدوادمي.
كلمة ختامية
يختتم الفنان خالد العنقري حديثه قائلًا
«أؤمن أن النحت رحلة طويلة بين الإنسان والحجر رحلة تحتاج إلى الصبر والتأمل والإحساس وكل قطعة حجر تحمل في داخلها احتمالًا جماليًا ومهمة الفنان أن يكتشفه ويمنحه حياة جديدة وأتمنى أن أواصل هذه الرحلة وأن أترك من خلالها أثرًا يعبّر عن تجربتي وبيئتي وهويتي الفنية السعودية».
وفي ختام الحوار أعرب الفنان خالد العنقري عن شكره وتقديره للإعلامية سارة الحربي ولـ صحيفة أخباركم الإعلامية مثمنًا اهتمامهما بالمشهد الثقافي والفني وإبراز تجارب الفنانين والمبدعين السعوديين.




