مقالات

” الواثق ” … بقلم الكاتب علي ابو مالح

ليست الثقة بالنفس أن تتحدث عن إنجازاتك كثيرًا، ولا أن تحاول أن تكون الأفضل في كل شيء.

بل قد تكون أعظم صور الثقة… أن تعترف بفضل غيرك.

حين وقف موسى عليه السلام بين يدي ربه، لم يُخفِ ميزة أخيه، ولم يخشَ أن يزداد قدره في أعين الناس، بل قال بكل اطمئنان:

﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾.

لو كانت مكانته تقوم على إخفاء فضائل الآخرين، لما قالها.

لكن الواثق لا يرى نجاح غيره خصمًا لنجاحه، ولا موهبة الآخرين تهديدًا لمكانته، ولا يظن أن الاعتراف بالحق يُنقص من قدره.

ولهذا كانت النفوس الكبيرة أقدر الناس على الإنصاف؛ لأنها لا تخاف أن يعلو غيرها في شيء، فهي تعلم أن الفضل رزق، وأن لكل إنسان بابًا فتحه الله له.

ولهذا كانت البيوت الواثقة تُفرحها مواهب أبنائها، ولا تُخفيها.

فإذا برز أحد الإخوة في علم، أو خُلُق، أو موهبة، لم يشعر الباقون أن ضوءه سلبهم نورهم، بل رأوا نجاحه نجاحًا للأسرة كلها.

ولعل أجمل ما تهديه الأسرة لأبنائها أن يتعلموا منذ صغرهم أن فضائل إخوتهم ليست تهديدًا لهم.

فإذا قال أحدهم: «أخي أذكى مني»، أو «أختي أفصح مني»، أو «هو أبرع مني»، قالها بطمأنينة لا بانكسار؛ لأن البيت ربّاه على أن التفوق لا يُقسم المحبة، ولا يُنقص المكانة، ولا يُلغي قيمة أحد.

أما البيت الذي يخاف من تميز أحد أبنائه، فقد يصنع إخوةً يتنافسون على إطفاء بعضهم، بينما البيت الذي يحتفي بفضل كل واحد منهم، فيصنع أسرةً يتكئون على بعضهم، لا يتسابقون لإسقاط بعضهم.

أما من يضيق صدره بكل ثناء على غيره، أو يبحث عن عيوب الناس كلما ذُكرت محاسنهم، فمشكلته ليست في فضائل الآخرين… بل في ثقته بنفسه.

فالإنصاف ليس امتحانًا للسان، بل امتحانٌ للقلب.

فإن أردت أن تعرف قوة البيت، فلا تنظر إلى كثرة أفراده، ولا إلى كثرة إنجازاتهم…

انظر كيف يتحدث بعضهم عن بعض.

فالبيت الذي يُربي أبناءه على الاعتراف بفضل إخوانهم، لا يخرج متنافسين على المكانة، بل متعاونين على الخير.

وربما كانت أول مدرسةٍ يتعلم فيها الإنسان الإنصاف… هي أسرته.

﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.

اللهم ارزقنا قلوبًا واثقةً لا يمنعها صدقها من الاعتراف بالحق، ولا يحملها الهوى على إنكار فضل عبادك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى