حين تأتي الروح والحياة على هيئة غياب للكاتب سعود السحيمي
جاءت الروح والحياة على بالي هذه الليلة وجاءت أُمي.يا الله كم هو موجع أن تأتي أُمي على بالي ولا تأتي!. أن يمر اسمها في خاطري ويرتجف قلبي كأنما سمع صوتها من آخر الدنيا. ثم ألتفت إلى صمت المكان فأجدني وحدي وأجدها في كل شئ إلا أمام عيني.
يا أول الحياة ويا آخر ما تبقى لي من الطمأنينة. يا امرأة لم أعرف أن غيابها سيأخذ مني كل هذا العمر. ولم أفهم أن الإنسان قد يكبر في أعين الناس. ويبقى طفلا صغيرا يبحث عن أُمه في عتمة الليل.
هذه الليلة لم أشتق إليك فحسب. لقد اشتقت إلى نفسي حين كنت معك. اشتقت إلى ذلك القلب الذي كان يتسع لي مهما ضاقت الدنيا. وإلى صوتك الذي كان يرمم في داخلي أشياء لم أكن أعرف كيف انكسرت. وإلى دعائك الذي كان يسبق خطاي ويحرسني من مخاوف لا أراها.
اشتقت إلى أن أكون ابنك. لا أستاذا ولا مدربا ولا قائدا ولا رجلا يحمل مسؤولياته أمام الناس. أريد أن أعود إليك كما كنت بلا ألقاب بلا إنجازات بلا حكايات طويلة عن الحياة. أريد أن أضع رأسي في حضن أمي وأبكي دون أن أشرح لماذا أبكي.
لكن كيف أشرح للغياب أنني تعبت؟ وكيف أقول للصباح إن شيئا في داخلي لا يشرق منذ رحلت؟ وكيف أقنع قلبي أن الأيام تمضي بينما هناك ليلة في عمري لم تنته بعد. ليلة أخذتني من حضنك وتركتني أبحث عنك في كل صباح؟
أُمي رحمك الله. ما زلت أُحدثك في سري وأحمل إليك أخباري التي لا يسمعها أحد. واتخيل فرحتك بما أنجزت. ثم أعود إلى الحقيقة التي تسقط كل شئ في داخلي. ليس كل نجاح فرحا وليس كل وصول اكتمالا. فبعض الغائبين يأخذون معهم الجزء الذي كان يجعل الحياة تستحق الاحتفال.
كم تمنيت لو أن للحنين بابا أدخله إليك ولو لدقيقة. أقبل رأسك وأقول لك كم أوجعني غيابك. وكم أحتاج إليك وكم أناديك حين يعجز الكلام عن حمل ما في صدري. لكن الأبواب لا تفتح للراحلين. والأيدي لا تعانق الأطياف. والصوت مهما ارتفع لا يعيد مَن استودعناهم الله.
فلا يبقى لي إلا الدعاء. اللهم ارحم أُمي رحمة تطمئن بها روحها. وتضئ بها مرقدها. واجعل قبرها روضة من رياض الجنة. واجمعني بها في مستقر رحمتك. حيث لا فراق ولا وجع ولا ليل أبكي فيه شوقا إليها.
أمي. هذه الليلة لا أكتب عنك لأنني أستطيع أن أكتب. أكتب لأن قلبي لم يعد يحتمل الصمت أكتب وكلما حاولت أن أُنهي الحكاية اكتشفت أنني لم أبدأ بعد في وصف وجعي. فكيف أنهي حديثا عنك وأنت البداية التي لا تنتهي؟ وكيف أودعك بالكلمات وأنا منذ رحيلك لم أتعلم كيف أقول لك وداعا؟
رحمك الله يا أُمي. كلما ظننت أنني اعتدت غيابك. جاء الليل وأعادني إلى الحقيقة الأولى. أنني مهما كبرت ومهما حملت من أسماء ومناصب ومهما صفق لي العالم. سأظل ذلك الابن الذي يشتاق إلى أُمة. وأن في داخلي مكانا لا يملوه أحد ولا يزوره أحد. مكانا لا يزال ينتظرك يا أُمي.
وما أقسى أن يمضي العمر كله ويبقى القلب واقفا عند آخر مره رأى فيها أُمّه.
✍️سعود



