
حامد أبو طلعة.. بوح قلبٍ من زجاج على عتبات الشعر
حين تفتح القصيدة نافذتها في المساء، لا تكون مجرد كلماتٍ تصطف على الورق، وإنما تكون قلبًا يستعيد نبضه، وذاكرةً تبحث عن ظلالها، وروحًا تمشي بين الأمس واليوم لتقول للإنسان: ما زال في الحياة متسعٌ للجمال.
ومن هذا المعنى جاءت أمسية الشاعر السعودي حامد أبو طلعة، التي أقامها ملتقى المبدعين الثقافي بالتعاون مع جمعية أدبي جازان، مساء الخميس 18 سبتمبر 2026م، الموافق 7 ربيع الثاني 1448هـ، تحت عنوان «بوح قلب من زجاج على عتبات الشعر»، بحضور قائد ملتقى المبدعين الثقافي العميد عبدالله القحطاني، ونخبة من الأدباء والشعراء والمثقفين والمثقفات من منطقة جازان وخارجها.
وكانت قاعة الاثنينية في أدبي جازان، كعادتها، على موعد مع الشعر؛ ذلك الضيف الذي لا يدخل القاعات كما يدخل سائر الضيوف، بل يأتي محمّلًا بذاكرة الإنسان، ووجدان المكان، ورائحة الأيام البعيدة.
وفي مستهل الأمسية، رحبت المحاورة الشاعرة زهراء النعمي بالحضور، وبالشاعر حامد أبو طلعة، مستعرضة ملامح من تجربته الأدبية، ومقدمةً قراءة أولية في مسيرته الشعرية، فيما توجهت كلمات التقدير إلى العميد عبدالله القحطاني، قائد ملتقى المبدعين الثقافي، وإلى الأستاذة زهراء النعمي، على ما قدماه من حضور وتنظيم وإدارة لهذه المساحة الأدبية.
شاعرٌ ولد وفي يده خيط القصيدة
في حديثه عن البدايات، بدا حامد أبو طلعة وكأنه يعود إلى طفولة القصيدة، إلى اللحظة الأولى التي لم يكن فيها الشاعر يعرف أنه شاعر، ولكنه كان يشعر بأن في داخله شيئًا يريد أن يقول.
فشبّه رحلة الشاعر في بداياته بمحاولة الطفل الأولى للمشي؛ يتقدم خطوة، ويتعثر أخرى، ثم يعاود الوقوف، حتى يأتي اليوم الذي يعرف فيه الطريق.
وهكذا، كما يرى أبو طلعة، تتشكل التجربة الشعرية بالتراكم، فلا تولد مكتملة، ولا تنضج دفعة واحدة، وإنما تنمو مع الإنسان، وتكبر معه، وتتغير بتغير رؤيته للحياة والناس والأشياء.
وتوقف عند مفهوم الشاعرية بوصفها حالة لا تستجيب للأمر ولا تخضع للموعد؛ فهي تأتي في زمان تختاره، ومكان تختاره، ولحظة تختارها هي قبل أن يختارها الشاعر.
وفي استحضاره لبعض النماذج الشعرية القديمة، أشار إلى ما تمثله التجربة الشعرية من مفاجأة واندفاع وجداني، مستعيدًا مثال عمر بن أبي ربيعة وما تركته تجربته من حضور، وما كان للشعر العربي من قدرة على أن يبلغ السامع فيوقظ فيه إحساسًا أو ذكرى أو دهشة.
«مدارات».. الخطوة الأولى
وعندما عاد أبو طلعة إلى بداياته الشعرية، كانت قصيدته الأولى «مدارات» إحدى المحطات التي شكلت عتبة الدخول إلى عالم الشعر.
وتحدث عن تلك البدايات بصدق الشاعر الذي يعرف أن القصيدة الأولى ليست مجرد نص، بل شهادة ميلاد لمرحلة جديدة من حياته.
واستعاد عبارة «وكنت أحسب نفسي قيسًا»، في إشارة إلى أثر المخزون الشعري العربي القديم في وجدان الشاعر، وإلى تلك الرومانسية التي ظلت حاضرة في وجدان الشعراء منذ قيس وليلى، مرورًا بمراحل الشعر العربي المختلفة، وصولًا إلى القصيدة الحديثة.
وأكد أن التشجيع يصنع فارقًا في حياة المبدع؛ فالشاعر، مثل غيره من أصحاب المواهب، يحتاج إلى من يرى الضوء في تجربته قبل أن يراه هو كاملًا.
ولعل أجمل ما في هذه الفكرة أن الشاعر لا يعيش على القصيدة وحدها، وإنما يعيش أيضًا على أثرها في الآخرين؛ فكما أن الولاء للأم لا يحتاج إلى برهان، فإن علاقة الإنسان بالشعر قد تصبح شيئًا من الوفاء الداخلي، لا يملك صاحبه إلا أن يعود إليه كلما ضاقت به الحياة.
هل الشعر فن أم قيمة؟
ومن الأسئلة التي طرحتها الأمسية ذلك السؤال القديم المتجدد: هل الشعر مجرد فن، أم أنه قيمة أدبية وإنسانية؟
وجاءت الإجابات من خلال رؤية أبو طلعة إلى الشعر بوصفه أكثر من صناعة لغوية؛ فهو موقف من الحياة، وانحياز للجمال، ومحاولة لمخالفة الخطأ بالكلمة، ومواجهة القبح بالنص، واستعادة المعنى حين يوشك أن يضيع.
وهنا بدا الشعر عنده قريبًا من رسالته الأولى: أن يقول الإنسان ما يعجز عن قوله في الكلام العابر، وأن يمنح المشاعر لغةً تستطيع أن تبقى.
وتخللت الأمسية قراءات شعرية قدم خلالها الشاعر عددًا من نصوصه، لتنتقل القاعة من الحديث عن الشعر إلى الشعر نفسه؛ حيث تصبح الكلمات هي الشاهد، ويصبح النص هو السيرة الأكثر صدقًا لصاحبه.
أربعة دواوين.. ومسيرة تتسع
يمتلك حامد أبو طلعة تجربة شعرية توثقت عبر أربعة دواوين فصحى منشورة، هي: «قلبٌ من زجاج» الصادر عن نادي الجوف الأدبي، و**«على رسلك أيها البدر»** عن نادي أبها الأدبي، و**«أيها الليل أجب»** عن نادي الباحة الأدبي، و**«برؤى كسلى»** عن نادي القصيم الأدبي.
وتكشف هذه الإصدارات، في مجموعها، عن رحلة شاعر يواصل البحث عن صوته، ويمنح القصيدة مساحةً لتتطور معه، وتتسع بتجربته، وتتغير من مرحلة إلى أخرى.
كما أُدرجت دواوينه ضمن دراسات عليا لمرحلتي الماجستير والدكتوراه في جامعة جازان، بما يعكس حضور تجربته ضمن اهتمامات البحث والدراسة الأدبية.
وتظهر تجربته كذلك في عدد من الموسوعات وقواعد البيانات الشعرية، من بينها الموسوعة العالمية للشعر العربي «أدب»، وقاعدة بيانات الشعر العربي والمترجم والاقتباسات، ومعجم المعاني لشعراء العصر الحديث.
كما حصل على لقب «الشخصية الأدبية» من الفيدرالية العالمية لأصدقاء الأمم المتحدة لعام 2018م، وينتمي إلى عدد من الكيانات الأدبية والثقافية، من بينها سفراء جازان واتحاد شعراء الخليج.
من القديم إلى الحديث.. القصيدة تبحث عن زمنها
ولم تكن الأمسية استعادةً للماضي بقدر ما كانت محاولة لفتح حوار بين الأزمنة.
فالشاعر، وهو يستحضر التراث الشعري العربي، لم يكن يقف عند حدوده، بل مضى إلى الحديث عن دلالات الشعر الحديث، وتأثر القصيدة بالثقافات الأخرى، وكيف تتغير الصور والمعاني كلما تغير الإنسان من حولها.
وفي هذا السياق حضرت بعض الأمنيات التي «أكل عليها الدهر وشرب»، كما حضرت قصيدة «صاحبة الجلالة»، لتؤكد أن الشاعر لا يعيش في زمن واحد؛ فهو يحمل طفولته معه، ويستدعي شبابه، ويقرأ حاضره بعين الماضي، ثم يحاول أن يطل من كل ذلك على المستقبل.
الذكاء الاصطناعي.. حين تدخل الآلة إلى محراب الأدب
ولعل من أكثر محاور الأمسية اتصالًا بالحاضر ذلك الحديث عن الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح هاجسًا عالميًا يتجاوز التقنية إلى سؤال الإنسان عن مستقبله ومكانه في عالم سريع التحول.
ورأى أبو طلعة أن الذكاء الاصطناعي سلاح ذو حدين؛ يمكن أن يساعد الكاتب والباحث في الوصول إلى المصادر، وأن يوجهه إلى بعض المسارات المفيدة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن التجربة الإنسانية.
وشبهه بالإسفنج الذي يمتص الماء، ثم يعيده عندما يُعصر؛ في إشارة إلى قدرته على جمع المعرفة واستدعائها وإعادة تركيبها.
غير أن الشاعر أبدى قلقه من سرعة التطور، معتبرًا أن خطوات الذكاء الاصطناعي باتت مخيفة في اتساعها، وأنه اقترب من مجالات ظلت طويلًا حكرًا على العقل البشري، ومنها الكتابة والإبداع.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يكون الذكاء الاصطناعي أداة تمكين للمبدع، أم بابًا لتعطيل ملكته؟
ولعل الإجابة لا تزال في يد الإنسان نفسه؛ فالآلة تستطيع أن تجمع الكلمات، لكنها لا تستطيع أن تعيش الذكرى التي ولدت منها القصيدة، ولا أن تشعر بوجعها، ولا أن تعرف لماذا اختار الشاعر كلمةً دون أخرى.
الجمهور.. شريك القصيدة
ومع انتقال الأمسية إلى مداخلات الجمهور، تحولت قاعة الاثنينية إلى فضاء حواري تتقاطع فيه الأسئلة مع التجارب، ويصغي فيه الشاعر إلى قرائه كما يصغي القارئ إلى الشاعر.
وكان من بين المداخلات مداخلة للأديبة منى حسن الصامطي من الخرج، لتتسع دائرة الحوار من جازان إلى خارجها، ويثبت الشعر مرة أخرى أنه لا يعرف حدود المكان.
وفي ختام الأمسية، بدا المشهد وكأن القصيدة قد أدت مهمتها القديمة: أن تجمع الناس حول معنى جميل.
فـحامد أبو طلعة لم يكن في تلك الليلة شاعرًا يقف أمام جمهوره وحسب، بل كان إنسانًا يستعيد رحلته مع القصيدة، من ارتباك الخطوة الأولى إلى ثقة التجربة، ومن «مدارات» البدايات إلى عتبات الدواوين، ومن ذاكرة الشعر العربي إلى أسئلة الذكاء الاصطناعي ومستقبل الأدب.
وهكذا ظل «قلب من زجاج» عنوانًا يتجاوز الديوان إلى صاحبه؛ قلبٌ شفاف، يرى ما حوله، ويتأثر به، ثم يعيد صياغة ذلك كله شعرًا.
ولأن المساءات، كما قيل، تصنع القصائد كي تتفتح أزهارها في الصباحات، فقد خرج الحضور من أمسية حامد أبو طلعة وفي الذاكرة شيء من عطر الشعر؛ شيء لا يُرى، لكنه يبقى طويلًا في القلب.
وهناك، في قاعة الاثنينية بأدبي جازان، لم يكن الخميس ليلةً عابرة، بل كان موعدًا آخر بين الإنسان والكلمة، وبين الذاكرة والقصيدة، وبين شاعرٍ جاء يحمل قلبًا من زجاج، وجمهورٍ جاء ليرى كيف يمكن لقلبٍ
شٍّ أمام الحياة أن يكون قويًا حين يتحول الي شعر







