مقالات

عين البصيرة مواجهة الذات بلا رتوش

بقلم الكاتب الإعلامي : عبد القادر مكي


من أعظم القضايا الإنسانية وأكثر المعارك الذاتية عمقًا وأثرًا معركة الإنسان مع مرآته ورحلته في البحث عن حقيقته الكامنة خلف تفاصيل الحياة اليومية. ونحن نعيش في عالم صاخب وعالم يعشق المساحيق ويحتفي بالمظاهر ويدفعنا دفعًا لنصنع لأنفسنا صورًا مستعارة ونرضي بها الآخرين ونخدع بها في كثير من الأحيان أنفسنا ،
لكن وسط هذا الزحام من الأقنعة ويبرز سؤال وجودي حاسم هو أين تكمن الحكمة الحقيقية؟ وماهي أصدق علامات البصيرة؟
إن أصدق البصيرة هي أن يرى الإنسان نفسه بلا رتوش والبصيرة ليست حدة في البصر ولا ذكاءً يكتشف به المرء عيوب الآخرين وهفواتهم بل هي تلك المرآة النظيفة الناتجة عن شجاعة داخلية هائلة، تجعل الإنسان يقف أمام نفسه متجردًا من الأعذار وعاريًا من التبريرات وبعيدًا عن مساحيق التجميل الزائفة التي نغطي بها عيوب نفوسنا.
إن رؤية الذات بلا رتوش تعني أن نمتلك الجرأة لنقول لأنفسنا هنا أخطأت وهنا قصرت وهذا موطن ضعفي تمامًا كما نعرف مواطن قوتنا وتميزنا وهي ألا نختبئ خلف عباءة الضحية وألا ننظر إلى أنفسنا بعين الكبرياء الأعمى الذي يرى كل فعل منا حسنًا وكل رأي منا صوابًا.
إن مواجهة الذات بصدق ليست جلدًا للذات ولا هي دعوة لليأس أو الإحباط بل هي حجر الأساس لكل نضج حقيقي والخطوة الأولى نحو كل تغيير أصيل فكيف للمريض أن يبرأ إذا أنكر مرضه؟ وكيف للجاهل أن يتعلم إذا ادعى علمه؟
وكيف لنفوسنا أن ترتقي وتتطهر إن لم نضع أيدينا على مواضع الخلل فيها لنصلحها؟
من هنا فإنني أدعو نفسي وإياكم اليوم إلى وقفة صدق خالية من المجاملات الذاتية ولنخلع تلك الأقنعة التي أرهقت كاهلنا وننظر إلى أعماقنا بعين الرحمة الواعية والعزيمة الصادقة على التقويم والتطوير ونجعل من بصائرنا نورًا يكشف لنا الحقائق لا سرابًا يزين لنا الأوهام.

يقول الشاعر :
أَصْدَقُ العَيْنَيْنِ عَيْنٌ لَمْ تَزَلْ
تَنْظُرُ النَّفْسَ بِلَا زَيْفٍ وَرَانْ
خَلْعُكَ الأصْبَاغَ عَنْهَا رِفْعَةٌ
لَيْسَ فِي رُؤْيَا الحِجَا نَفْسٌ تُهَانْ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى