مقالات

هجرة الكفاءات وأثرها في استدامة المنظمات غير الربحية ….. بقلم الكاتبه عواطف بنت ضويفي البلوي

تمثل الكفاءات البشرية أحد أهم الأصول التي تستند إليها المنظمات غير الربحية في تحقيق رسالتها وتعظيم أثرها المجتمعي؛ فاستدامة المنظمة لا تعتمد على توافر الموارد المالية وحدها، بل تتطلب رأس مال بشريًا يمتلك المعرفة والخبرة والمهارات اللازمة لإدارة الموارد، وتطوير البرامج، وتحويل الأهداف إلى نتائج وأثر ملموس. ومن هنا تبرز هجرة الكفاءات بوصفها أحد التحديات التي قد تنعكس بصورة مباشرة على استقرار المنظمات غير الربحية واستدامة أعمالها. وتزداد أهمية هذه القضية مع تنامي استثمار الأفراد في تطوير مؤهلاتهم ومهاراتهم وخبراتهم، بما يرفع قيمتهم المهنية ويوسع خياراتهم الوظيفية، في الوقت الذي قد لا تتمكن فيه بعض المنظمات من مواكبة هذا التطور بتوفير فرص ومسارات مهنية تتناسب معه.

ويقصد بهجرة الكفاءات، في سياق هذا المقال، انتقال أصحاب المؤهلات والخبرات والمهارات من المنظمة غير الربحية التي يعملون فيها إلى منظمة غير ربحية أخرى، أو إلى القطاع الحكومي أو الخاص، بحثًا عن فرص وظيفية ومهنية أكثر جاذبية. ولا يقتصر المفهوم هنا على الهجرة الجغرافية بين الدول، بل يشمل انتقال رأس المال البشري بين المنظمات والقطاعات المختلفة، وما قد يصاحب ذلك من فقدان الخبرات والمعرفة المؤسسية.

وتشير الأدلة الحديثة إلى أن استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها يمثلان تحديًا ملموسًا أمام عدد من المنظمات غير الربحية. فقد أظهر مسح National Council of Nonprofits لعام 2023، الذي شمل أكثر من 1,600 منظمة غير ربحية في الولايات المتحدة، أن 74.6% من المنظمات المشاركة لديها وظائف شاغرة، فيما أشارت 72.2% إلى أن المنافسة على الأجور تؤثر في قدرتها على استقطاب الموظفين والاحتفاظ بهم، وذكرت 66.3% محدودية الميزانيات والتمويل، بينما أشارت 50.2% إلى الضغط والاحتراق الوظيفي بوصفهما من التحديات المؤثرة في القوى العاملة.

وتتعدد العوامل التي قد تدفع الكفاءات إلى مغادرة المنظمات غير الربحية؛ ومن أبرزها تفاوت الأجور والمزايا الوظيفية مقارنة بقطاعات أخرى، ومحدودية فرص التطور والتقدم الوظيفي، وعدم وضوح المسار المهني، إلى جانب محدودية الاستقرار الوظيفي في بعض المنظمات.

ولا تكمن الإشكالية في تطور الكفاءة بحد ذاته، بل في اتساع الفجوة أحيانًا بين نموها المهني وما تستطيع المنظمة تقديمه من فرص ومسارات ومزايا تتناسب مع هذا النمو. فكلما ارتفعت مؤهلات الفرد، وتراكمت خبراته، وتطورت مهاراته، اتسعت أمامه البدائل الوظيفية، وأصبحت قدرته على الانتقال إلى بيئة أكثر ملاءمة لتطلعاته أكبر.

وقد تناولت دراسة Young وWiley وSearing (2025) آثار الأزمات على الموارد البشرية في المنظمات غير الربحية، وأظهرت أن تداعياتها قد تمتد إلى فقدان القدرات التنظيمية وتسرب رأس المال البشري، مع وجود صعوبات في منافسة جهات أخرى على استقطاب العاملين والاحتفاظ بهم.

وهنا تبرز معادلة بالغة الأهمية: كلما استثمرت الكفاءات في تطوير قدراتها وتعزيز خبراتها، ارتفعت قيمتها المهنية واتسعت أمامها الفرص الوظيفية؛ ومن ثم يصبح التحدي أمام المنظمات غير الربحية في قدرتها على توفير بيئة مهنية جاذبة تشجع هذه الكفاءات على الاستمرار والنمو داخل المنظمة.

ولا تقتصر خسارة المنظمة عند مغادرة إحدى كفاءاتها على الحاجة إلى تعيين بديل؛ فقد تغادر معها معرفة مؤسسية تراكمت على مدى سنوات، وخبرات عملية، وعلاقات مهنية، ومعرفة دقيقة بالمشروعات والمستفيدين والشركاء وآليات العمل. كما تتحمل المنظمة تكاليف إضافية مرتبطة بالاستقطاب والاختيار والتوظيف والتأهيل، فضلًا عن الوقت اللازم حتى يكتسب الموظف الجديد المعرفة والخبرة اللازمتين لأداء مهامه بكفاءة.

ومع تكرار فقدان الكفاءات، قد تتجاوز الآثار حدود النقص الوظيفي لتنعكس على استمرارية البرامج، وجودة الخدمات، والقدرة على تحقيق الأهداف؛ وهو ما يجعل المحافظة على رأس المال البشري جزءًا من استدامة المنظمة نفسها.

وتدعم الدراسات الحديثة أهمية بيئة العمل في الاحتفاظ بالكفاءات. فقد تناولت دراسة Tosto وTcherni-Buzzeo، المنشورة إلكترونيًا عام 2025، الرضا الوظيفي والاحتراق لدى العاملين في منظمات غير ربحية، وأظهرت أهمية التواصل التنظيمي والقيادة في تفسير جوانب من تجربة الموظفين، كما أبرزت العلاقة بين بعض المسؤوليات الإدارية والاحتراق الوظيفي.

وفي الاتجاه نفسه، تناولت دراسة Abukhalifa وKamil (2026) العلاقة بين ممارسات الإدارة الاستراتيجية للموارد البشرية ونية ترك العمل في القطاع غير الربحي، بما يعزز أهمية النظر إلى إدارة رأس المال البشري بوصفها أحد العوامل المرتبطة بقدرة المنظمات على الاحتفاظ بالعاملين والحد من فقدان الكفاءات.

وتشير هذه النتائج إلى أن الاحتفاظ بالكفاءات لا يرتبط بالمقابل المالي وحده؛ فبيئة العمل، والتقدير المهني، وفرص التعلم والتطوير، ووضوح المسار الوظيفي، والتواصل الفعال، والدعم الإداري، والمرونة في أنماط العمل، كلها عوامل يمكن أن تسهم في تعزيز ارتباط الموظف بالمنظمة ورغبته في الاستمرار فيها.

ومن هذا المنطلق، ترتبط هجرة الكفاءات ارتباطًا وثيقًا بالاستدامة المؤسسية؛ فالاستدامة لا تعني قدرة المنظمة على تأمين مواردها المالية فحسب، بل تشمل أيضًا قدرتها على المحافظة على الخبرات والقدرات البشرية اللازمة لاستمرار برامجها وخدماتها وتحقيق رسالتها على المدى الطويل.

ويتطلب الحد من هجرة الكفاءات تحولًا في النظرة إلى الموارد البشرية، بحيث يُنظر إلى الكفاءات بوصفها أحد مكونات رأس المال البشري الذي تقوم عليه قدرة المنظمة على الاستمرار وتحقيق أثرها، لا باعتبارها مجرد عنصر في التكلفة التشغيلية. ويقتضي ذلك تحقيق قدر مناسب من العدالة والتنافسية في الأجور وفق إمكانات المنظمة، وبناء مسارات واضحة للتقدم الوظيفي، وتقديم الحوافز المالية وغير المالية، وإتاحة فرص التطوير المستمر، وتعزيز التقدير المهني، والاستفادة من أنماط العمل المرنة والعمل عن بُعد متى كانت طبيعة الوظائف تسمح بذلك.

إن هجرة الكفاءات في المنظمات غير الربحية ليست مجرد مسألة تتعلق بالتوظيف أو دوران العاملين، بل قضية تمس قدرة المنظمة على الاستمرار والمحافظة على جودة أعمالها وأثرها المجتمعي. فقد يكون تعويض بعض الموارد المالية ممكنًا خلال فترة زمنية محددة، بينما قد يتطلب تعويض الخبرات والمعرفة والعلاقات المهنية المتراكمة وقتًا أطول وتكلفة أكبر.

وعليه، فإن المحافظة على رأس المال البشري لا تبدأ من استقطاب الكفاءات فحسب، بل من قدرة المنظمة على توفير بيئة تتناسب مع تطورها المهني وتطلعاتها، وتمكينها، وإتاحة فرص النمو أمامها. وكلما نجحت المنظمات غير الربحية في بناء بيئة مهنية جاذبة للكفاءات والمحافظة عليها، ازدادت قدرتها على استمرارية برامجها، وتطوير خدماتها، وتعظيم أثرها المجتمعي.

ويبقى السؤال: كيف تستطيع المنظمات غير الربحية مواكبة تطور كفاءاتها وتطلعاتها المهنية، والمحافظة عليها في ظل المنافسة المتزايدة على رأس المال البشري؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى