مقالات

ميزان النوايا.. وبصيرة الدعاء

بقلم الكاتب : عبدالله بنجابي

في مهبّ الأعين المترصدة، حيث يختلط وميض الودّ بجمر الغيرة وغبار الفضول، لا يجد الفؤاد مرفأً أهدأ ولا ملاذاً أطهر من الاعتصام بباب الله. وهناك، في مدارات التبتل الاجتماعي، تتردد على الألسن تلك الدعوة البليغة: «اللهم ارزقهم ضعف ما يتمنون لنا»؛ ميزانٌ أخلاقي يستجمع وقار الزهد وقوة التوكل؛ يسكب البركة مضاعفة في كف من أقبل بصفاء قلبه، ويصدّ غائلة الضغينة بحكمة الصمت، متكئاً على حقيقةٍ أزلية: أن ما استقر في سرائر العباد من رجاء أو ضغينة، مردودٌ إلى عقر ديارهم أضعافاً بعدلٍ رباني محكم.

في دروب هذه الحياة لا نملك حجب الأنظار عن خطواتنا، والناس في مراقبتهم ليسوا صنفاً واحداً، بل تتفاوت مقاصدهم كما تتباين سرائرهم:

عين ترقبك حباً: تسعد لخطواتك، وتبهجها نعم الله عليك، وتفيض بالدعاء لك بظهر الغيب؛ وهؤلاء هم السند والسكينة في زحام الأيام.

وعين يدفعها الفضول: تستهلك أوقاتها في التلصص ومعرفة ما يدور خلف الأبواب دون غلٍّ ظاهر، لكنها غافلة عن أن الاشتغال بإصلاح الذات أولى وأجدى.

وعين يُحركها الحسد والضغينة: يثقلها بريق غيرها، وتتمنى انطفاء نوره وزوال فضله، متناسيةً أن الأرزاق مقسومة بحكمة عدلٍ لا يظلم مثقال ذرة.

وأمام انتشار هذه العبارة وتداولها الواسع كشعارٍ نفسي ودعائي، يحسن بالمسلم أن يقف معها وقفة بصيرة واتزان:

فمن جهة الضبط المنهجي والشرعي؛ يجدر التنبيه إلى أن عبارة «اللهم ارزقهم ضعف ما يتمنون لنا» ليست حديثاً نبوياً ولا مأثوراً عن النبي ﷺ، بل هي من العبارات الدارجة التي صيغت بلسان الحال. والأصل في الدعاء الإباحة ما لم يتضمن إثماً أو اعتداءً أو قطيعة رحم. ولما كان اللفظ المطلق قد يحتمل التردد، فإن الناس غالباً ما يقيّدونه بقولهم: «إن كان خيراً فأعطهم الضعف، وإن كان شراً فأجرني منه»؛ فيغدو بذلك تفويضاً وحفظاً من كيد المتربصين، وطلباً للمزيد لأهل الخير والإحسان.

غير أن كمال الراحة ونقاء التوجه يكمنان دوماً في الاعتصام بجوامع الكلم المأثورة عن النبي ﷺ في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، والدعاء الجامع لدفع الكيد: «اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم»؛ فتلك كلمات عصمها الوحي من كل خلل، وتضمنت أكمل المعاني وأرشدها.

إن سلامة الصدر وتفويض الأمر لله تعالى هما الحصن الحصين؛ فمن أقبل على الله بكليته صغرت في عينه نظرات البشر، وعلم يقيناً أن ما كُتب له سيأتيه، وأن ما يُضمر في الصدور موكولٌ إلى ربٍّ عليم بذات الصدور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى