
*هل تُنقِص سعادة الآخرين من سعادتك؟*
بقلم الكاتب : عبدالله بنجابي
في أعماق النفس البشرية يقبع أحيانًا وهمٌ خفيّ يُشبه الحسابات الضيقة: إذا نال غيري خطوة إلى الأمام، فكأنما تأخرتُ خطوة إلى الوراء. يتعامل البعض مع الفرح، والتوفيق، والنجاح وكأنها كعكة محدودة الحجم؛ كلما اقتطع أحدهم منها قطعة وافرة، تقلصت حصة البقية. لكن الحقيقة الإنسانية الأكثر رسوخًا تؤكد أن السعادة طاقة ممتدة لا مادة قابلة للنفاذ، وأن شمعة تُوقد من شمعة أخرى لا تنقص من نور الأولى شيئًا، بل تُضاعف الضوء في الغرفة كلها.
الشعور بالانقباض أمام بهجة الآخرين ينبع غالبًا من فخ المقارنة لا من ندرة الفرص. حين نربط قيمتنا بسباق وهمي مع المحيطين بنا، تتحول أفراحهم إلى مرايا تبرز نواقصنا، وتتحول إنجازاتهم إلى تذكير بما لم نصل إليه بعد. في تلك اللحظة بالذات، لا تكون سعادتهم هي ما ينقص سعادتنا، بل استجابتنا الداخلية المشحونة بالقلق والترقب؛ فنحن من نغلق نافذة الرضا بأيدينا ثم نشتكي من عتمة المكان.
على النقيض تمامًا، يحمل الابتهاج الصادق للآخرين قوة شفائية نادرة. الفرح المشترك يُعدّ تدريبًا عمليًا على التحرر من الأنانية وتوسيع المدارك، فهو يعيد صياغة نظرتنا للعالم من ساحة تنافسية ضيقة إلى فضاء رحب يتسع لأحلام الجميع. عندما ترى إنسانًا يبتسم لنجاح حققه أو أمنية نالها، وتجد في صدرك متسعًا لترديد “الحمد لله له”
بقلب صافٍ، فإنك في الواقع تدعو نفس المشاعر لتستقر في وجدانك. السعادة ليست مقعدًا واحدًا يتصارع عليه العابرون، بل هي أفق مفتوح يسع كل من أراد أن يحلّق.
إن السلام الداخلي لا يكتمل إلا حين ندرك أن أرزاق الناس ومساراتهم ليست خصمًا من رصيدنا الشخصي. لكل امرئ توقيته الخاص، ومنعطفاته، وأقداره التي كُتبت له بحكمة بالغة. ولعل أعظم درجات النضج تتجلى يوم أن ترى النور في بيت جارك، فتشعر بالدفء يغمر بيتك أيضًا دون أن ينقص من بهجتهما شيء.


