مقالات

محمد بن هادي الراجحي.. شيخٌ من ذاكرة فرسان وحكايةٌ من زمن اللؤلؤفرسان

بقلم الكاتب : حمد دقدقي

في جزر فرسان، حيث يلتقي زرقة البحر بذاكرة المكان، وحيث لا تزال حكايات الغوص واللؤلؤ تتردد في مجالس الأهالي، تبرز سيرة الشيخ محمد بن هادي حسن الراجحي، شيخ شمل قبائل محافظة جزر فرسان، بوصفها سيرة رجلٍ ارتبط بالمكان منذ طفولته، وعاش تفاصيله، وشارك أهله أفراحهم ومناسباتهم، وحمل شيئًا من ذاكرة الجزيرة التي لا تزال حاضرة في وجدان أبنائها.

نشأ الشيخ محمد في كنف والده الشيخ هادي بن حسن الراجحي – رحمه الله –، المعروف بين أهالي فرسان بـ«هادي كبير»، أحد رجالات الجزيرة المعروفين بالعلم والدين، والذي كان إمامًا وخطيبًا للجامع الكبير بفرسان. وفي ذلك البيت نشأ الشيخ محمد على قيم العلم والوقار وحسن التعامل، وتعلم منذ سنواته الأولى أن مكانة الرجل بين الناس لا تُقاس بما يحمله من لقب، وإنما بما يتركه من أثر طيب في نفوسهم.

وكان والده إلى جانب مكانته الدينية والاجتماعية من أبرز العارفين بتجارة اللؤلؤ في فرسان، ومن أشهر تجارها في زمن كانت فيه هذه التجارة تمثل جانبًا مهمًا من حياة الجزيرة واقتصادها. وقد لازم الشيخ محمد والده، فاقترب من عالم اللؤلؤ والغوص والتجارة، واستفاد من تجاربه ورحلاته إلى عدد من البلدان المرتبطة بهذه التجارة، لتتحول تلك السنوات إلى مدرسة مبكرة صنعت لديه معرفة عميقة بموروث بحري ارتبط بتاريخ فرسان وأهلها.

ولم يكن اللؤلؤ في ذاكرة الشيخ محمد مجرد تجارة عابرة، بل جزءًا من حكاية مجتمع بأكمله؛ حكاية رجالٍ كانوا يخرجون إلى البحر بحثًا عن الرزق، ويعودون بما تجود به المحار، وحكاية أسرٍ ارتبطت حياتها بالبحر ومواسمه، وأسواقه، ومراكبه، ورجاله.

ومن هنا ظل الشيخ محمد حريصًا على نقل هذه الذاكرة إلى الأجيال والزائرين، ولا يزال يستقبل القادمين إلى فرسان من رجال الثقافة والإعلام والباحثين والسياح، ويحدثهم عن الجزيرة وموروثها البحري، ويعرض لهم أنواع اللؤلؤ وأوزانه، ويشرح جوانب من المهنة التي كانت يومًا إحدى أهم علامات الحياة الاقتصادية والاجتماعية في فرسان.

وكأن الشيخ، حين يضع حبات اللؤلؤ أمام زائريه، لا يعرض شيئًا من البحر فحسب، وإنما يفتح نافذة على زمنٍ كامل؛ زمن الغواصين والنواخذة، والمراكب التي كانت تعرف طريقها إلى البحر، والرجال الذين كانت رزقتهم معلقة بما تخبئه أعماق المياه.

من التعليم إلى خدمة المجتمع

تخرج الشيخ محمد بن هادي الراجحي في معهد إعداد المعلمين بجازان، وعُيّن معلمًا في مدارس فرسان، ثم وكيلاً لمدرسة تحفيظ القرآن الكريم بالمحافظة، ليواصل بذلك مسيرةً ارتبطت منذ بدايتها بالتعليم وخدمة المجتمع.

كما عُرف عريفًا لحارة أو حي الجامع بفرسان، وهو موقع اجتماعي جعله قريبًا من الأهالي وشؤونهم اليومية، حاضرًا في مناسباتهم، ومشاركًا في أفراحهم وأتراحهم، ومستمعًا إلى ما يحملونه من هموم واحتياجات.

ومع مرور السنوات، اتسعت دائرة حضوره الاجتماعي، حتى عُيّن شيخًا لشمل قبائل محافظة جزر فرسان، ليواصل من خلال هذا الدور مسؤولية اجتماعية تقوم على التواصل مع الأهالي، والمشاركة في المناسبات والفعاليات، والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، والمساهمة في نقل احتياجات المجتمع، إلى جانب استقبال المسؤولين والزائرين والوفود خلال المناسبات والزيارات التي تشهدها المحافظة.

كما ترأس وشارك في عدد من اللجان داخل المحافظة وخارجها، ومثّل المنطقة في لقاءات ومناسبات مختلفة، وظل حاضرًا في المشهد الاجتماعي والتراثي لفرسان، خصوصًا في الفعاليات التي تستعيد تاريخ الجزيرة وموروثها، ومن بينها المناسبات والفعاليات السياحية والتراثية التي تحتفي بفرسان وبما تختزنه من مقومات طبيعية وثقافية.

شيخٌ يحمل مسؤولية المكان

ولعل ما يمنح تجربة الشيخ محمد خصوصيتها أن حضوره الاجتماعي لم ينفصل يومًا عن علاقته بالمكان؛ فهو ابن فرسان الذي عرف أحياءها وبيوتها وأهلها، وقرأ شيئًا من تاريخها في وجوه كبار السن، واستمع إلى حكايات البحر من رجال عاشوا أيام الغوص واللؤلؤ.

وفي المجتمعات التي تقوم على المعرفة المباشرة بين الناس، تصبح الحكمة والصبر وحسن المشورة من أهم ما يحتاج إليه من يتقدم لخدمة المجتمع. وقد عُرف الشيخ محمد بهذه الصفات، إلى جانب التواضع وحسن الاستماع، وهي خصال أسهمت في تعزيز مكانته ومحبة الأهالي له.

فهو لا يتعامل مع موقعه بوصفه لقبًا اجتماعيًا، وإنما باعتباره مسؤولية؛ والمسؤولية، كما تعلمها من والده وجيله، ليست ارتفاعًا عن الناس، وإنما قربٌ منهم، واستماعٌ إليهم، ومشاركةٌ لهم في مناسباتهم، وحملٌ لشيء من همومهم.

وهذه القيم هي التي تجعل بعض الرجال يتحولون مع مرور الزمن إلى جزء من ذاكرة المكان؛ فإذا ذُكرت الجزيرة حضرت أسماؤهم، وإذا استعيدت حكاياتها وجد الناس في مجالسهم رواةً قادرين على وصل الماضي بالحاضر.

ذاكرة لا ينبغي أن تغيب

تعيش فرسان اليوم مرحلة جديدة من الحضور السياحي والثقافي، بما تمتلكه من طبيعة بحرية فريدة، وموروث تاريخي، وتنوع بيئي، وذاكرة إنسانية عميقة. وفي هذا التحول تبرز أهمية الرجال الذين يحملون المعرفة المحلية، ويستطيعون أن يشرحوا للزائر ما وراء الصورة وما خلف المشهد.

فالتراث لا تحفظه المباني وحدها، ولا تختصره الوثائق؛ وإنما يحفظه الإنسان الذي عاشه وسمعه من آبائه، ثم نقله إلى أبنائه ومن يأتي بعدهم.

ومن هذه الزاوية تبدو تجربة الشيخ محمد بن هادي الراجحي أكثر من مجرد مسيرة اجتماعية؛ إنها جانب من ذاكرة فرسان نفسها، امتدت من مدرسة التعليم إلى مجالس الأهالي، ومن تجربة العرافة إلى مسؤولية شيخ الشمل، ومن ذاكرة والده وتجارة اللؤلؤ إلى دوره اليوم في تعريف الزائرين بتاريخ الجزيرة وموروثها.

إنها سيرة رجلٍ حمل من أبيه شيئًا من العلم والدين، ومن البحر شيئًا من أسراره، ومن المجتمع شيئًا من حكمته، ومن فرسان انتماءً لا يحتاج إلى شهادة؛ لأن المكان يسكن في أهله، كما يسكن البحر في ذاكرة من عاشوا على شاطئه.

وهكذا يظل الشيخ محمد بن هادي حسن الراجحي واحدًا من الوجوه الاجتماعية المرتبطة بفرسان، وواحدًا من حَمَلة ذاكرتها الإنسانية والبحرية؛ رجلًا جمع بين التعليم وخدمة المجتمع، وبين مسؤولية شيخ الشمل والاحتفاظ بذاكرة اللؤلؤ، ليظل حاضرًا في مشهد جزيرةٍ لا تزال تكتب تاريخها الجديد، وهي تحمل في قلبها تاريخ الآباء والأجداد.

وفي فرسان، حيث يلمع اللؤلؤ في ذاكرة البحر قبل أن يلمع في كفّ الغواص، تبقى قيمة الرجال فيما يحفظونه من الحكايات، وما يقدمونه للناس من معرفة، وما يتركونه خلفهم من أثر.

الجزيرة التي عاشت عمرها مع البحر، لا تزال تحفظ رجالها كما تحفظ البحر اسراره

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى