
«فَرّقْنا».. جازان تستعيد قرية الأمس على خشبة المسرح
في مساءات جازان التي تختزن في ذاكرتها أكثر مما تقوله الكلمات، يمكن للمسرح أن يصبح نافذةً مفتوحة على زمن بعيد؛ زمنٍ لم تعد بيوته قائمة كما كانت، ولم تعد تفاصيل حياته اليومية حاضرة إلا في ذاكرة الذين عاشوه، أو في حكايات الآباء والأجداد.
ومن هنا جاءت مسرحية «فَرّقْنا» لتعيد الماضي إلى الحياة، لا في صورة حكاية جامدة تستعرض التراث، وإنما في مشهد نابض تتحرك فيه الشخصيات، وتتقاطع فيه الضحكات مع الأسئلة، ويصبح المكان نفسه جزءًا من الحكاية.
فخلال يومي الخميس والجمعة 18 و19 سبتمبر 2026م، الموافق السادس والسابع من ربيع الثاني 1448هـ، نظمت جمعية ضو للمسرح والفنون الأدائية بجازان، ضمن برنامج «ستار» التابع لهيئة المسرح والفنون الأدائية، عرضًا لمسرحية «فَرّقْنا» في بيت الثقافة بجيزان، في تجربة استلهمت الحياة الاجتماعية في القرية الجازانية القديمة، وأعادت تقديم تفاصيلها وشخصياتها ضمن رؤية تجمع بين الموروث المحلي وأساليب العرض المسرحي المعاصر.
ولم يكن اختيار القرية القديمة فضاءً للحكاية مجرد عودة إلى الماضي؛ فالمسرحية تنظر إلى ذلك الزمن باعتباره ذاكرة اجتماعية كاملة، بما فيها من عادات ولهجة وطرائق عيش، وما شهدته من تحولات بدأت تعيد تشكيل الإنسان والمكان معًا.
حكاية تبدأ من «البقشة» وتنتهي عند الحقيقة
تدور أحداث «فَرّقْنا» في قرية جازانية خلال ستينيات القرن الميلادي الماضي، حيث يصل البائع المتجول عبده فرقنا إلى القرية حاملاً «بقشته»، بما تحمله من ملامح ذلك الزمن وأسراره، قبل أن يقع حدث يقلب سكينة الأهالي: اختفاء جهاز السينما.
ومن هذه الحادثة الصغيرة في ظاهرها، تبدأ الحكاية الكبيرة.
تتسع دائرة الشك، وتتعدد الروايات، ويتحول أهل القرية إلى باحثين عن حقيقة لا تظهر بسهولة، بينما تنسج المسرحية خيوطها بين الكوميديا والغموض والتشويق.
لكن جهاز السينما المختفي ليس سوى مفتاح للحكاية؛ فمن خلال البحث عنه، تفتح المسرحية أبوابًا على قضايا المجتمع، وتستعيد أسئلة الهوية والتعليم والخرافة والتحول الاجتماعي، في معالجة لا تثقل على المشاهد بالخطاب، وإنما تتركه يلتقط المعنى من بين المواقف والحوارات والشخصيات.
وهنا تتجلى إحدى جماليات العمل؛ إذ تأتي الكوميديا بوصفها لغةً إنسانية قادرة على الاقتراب من القضايا الاجتماعية دون مباشرة، فيضحك المشاهد من الموقف، ثم يكتشف بعد لحظات أن وراء الضحكة سؤالًا يستحق التأمل.
حين يصبح المكان بطلًا
في «فَرّقْنا» لا تبدو القرية مجرد خلفية تتحرك أمامها الشخصيات، بل تبدو كأنها شخصية أخرى في المسرحية؛ شخصية صامتة، لكنها تتحدث من خلال البيوت والأسواق والملابس واللهجة والعادات.
فالمكان هنا ذاكرة.
وما أجمل أن يستعيد المسرح ذاكرة المكان حين تكون هذه الذاكرة جزءًا من هوية أهله؛ فالقرية الجازانية القديمة لم تكن مجرد مجموعة من البيوت، بل مجتمعًا له إيقاعه الخاص، ومجالسه، وأفراحه، ومخاوفه، وحكاياته التي كانت تنتقل من جيل إلى جيل.
ومن خلال التفاصيل الصغيرة، تنجح المسرحية في الاقتراب من روح ذلك الزمن؛ زمن كانت فيه الأشياء محدودة، لكن الفرح كان واسعًا، وكانت العلاقات الإنسانية أكثر التصاقًا بالمكان، وكانت الحكاية الشعبية وسيلةً للتسلية، وأحيانًا لتفسير ما لا يجد له الناس تفسيرًا.
وهكذا يصبح المسرح هنا أشبه بذاكرة جماعية تستعيد صورة الأمس، لكنها لا تفعل ذلك بحنين منفصل عن الحاضر، بل تقدم الماضي بعين الجيل الجديد.
أكثر من 72 مشاركًا.. المسرح يصنع جيله الجديد
وتتجاوز تجربة «فَرّقْنا» حدود العرض المسرحي إلى مساحة أوسع لصناعة المواهب؛ إذ شارك في العمل أكثر من 72 مشاركًا ومشاركة من شباب وشابات منطقة جازان، توزعوا بين التمثيل وتصميم وتنفيذ الأزياء والديكور والإضاءة والصوت، إلى جانب مختلف الأعمال الفنية والتنظيمية المصاحبة للعرض.
وهذه المشاركة الواسعة تمنح التجربة بعدًا آخر؛ فالمسرح لا يكتفي بأن يروي حكاية جازان، بل يتيح لأبنائها أن يكونوا هم من يعيدون روايتها.
شباب يقفون على الخشبة، وآخرون خلفها، لكن الجميع يشتركون في صناعة صورة فنية لمكان ينتمون إليه؛ وكأن كل واحد منهم يحمل جزءًا من ذاكرة القرية، ثم يضعه في موضعه على الخشبة.
ومن هنا تتبدى قيمة التجربة في اكتشاف الطاقات الشابة، وصقل المواهب، وفتح الطريق أمام جيل جديد من الممارسين للفنون الأدائية، ممن يستطيعون أن يحملوا الموروث المحلي إلى فضاء أكثر رحابة، دون أن يفقده روحه.
بين الأمس واليوم
ربما لا تكمن أهمية «فَرّقْنا» في أنها تعيد حكاية وقعت في ستينيات القرن الماضي فحسب، وإنما في أنها تطرح سؤالًا أعمق: كيف يمكن للتراث أن يعيش في زمن جديد؟
فالتراث ليس ثوبًا قديمًا نعلقه على جدار الذاكرة، وإنما روح تتجدد كلما وجد من يحسن قراءتها.
وفي هذه المسرحية، يلتقي الموروث المحلي بأدوات المسرح المعاصر؛ فتولد صيغة جديدة لا تستنسخ الماضي، ولا تتنكر له، وإنما تستعيده وتعيد تأويله من خلال لغة فنية تصل إلى جمهور اليوم.
ولذلك فإن «فَرّقْنا» لا تقول للمشاهد: انظر إلى الماضي وحسب، بل تدعوه إلى أن يرى الحاضر من خلاله؛ أن يتأمل كيف تغير المجتمع، وكيف تغيرت الأدوات، وكيف بقي الإنسان، رغم كل شيء، محتفظًا بحاجته إلى الحكاية والضحكة والدهشة والبحث عن الحقيقة.
حين يرفع الستار عن الذاكرة
في النهاية، يبدو أن السؤال عن جهاز السينما لم يكن هو السؤال الوحيد الذي أرادت «فَرّقْنا» أن تطرحه.
فوراء اللغز حكاية مجتمع، ووراء الكوميديا ذاكرة، ووراء الشخصيات ملامح بشر عاشوا زمنًا له خصوصيته، ووراء الخشبة جيل جديد يريد أن يقول إن المكان الذي ننتمي إليه لا ينبغي أن يبقى أسير الذاكرة.
إنه يستطيع أن يتحول إلى فن.
وهكذا، حين أضاءت خشبة بيت الثقافة بجيزان، لم يكن الجمهور أمام قرية قديمة فحسب، بل أمام زمن يستعيد أنفاسه؛ أمام وجوه تعود من الذاكرة، ولهجة تستعيد حضورها، وعادات تتحرك من صفحات الماضي إلى فضاء المسرح.
وكانت «فَرّقْنا» تقول، من خلال الضحكة والغموض والحكاية، إن جازان لا تزال تملك الكثير من القصص التي تستحق أن تُروى.
ففي كل قرية قديمة حكاية لم تكتمل، وفي كل بيت ذاكرة لم تجد طريقها إلى الكتاب، وفي كل جيل جديد عين تبحث عن الماضي لتصنع منه صورة للمستقبل.
وحين ينطفئ الضوء الأخير، لا تنطفئ الحكاية.
يبقى شيء منها في الذاكرة، وشيء في القلب، وربما يبقى السؤال مفتوحًا كما أراده المسرح:
من اختفى معه جهاز السينما؟
لكن الأهم أن «فَرّقْنا» نجحت في استعادة ما هو أكبر من جهاز السينما؛ استعادت زمنًا من ذاكرة جازان، وأعادت إليه الحياة على خشبة المسرح






