مقالات

الشيخ جزاع بن كريم العطيات …. حين يترجل الكبار تتحدث المآثر … بقلم الدكتور حرب العايش

ليست بعض الأسماء مجرد أسماءٍ تتردد في المجالس، بل هي صفحات مضيئة في سجل الرجال الذين صنعوا مكانتهم بالأفعال قبل الأقوال، والشيخ جزاع بن كريم العطيات (رحمه الله )كان واحدًا من أولئك الرجال الذين إذا ذُكروا حضرت الهيبة، وإذا غابوا تركوا فراغًا لا يملؤه إلا الدعاء وطيب الذكر.

برحيله فقدت منطقة تبوك، وقبيلة بني عطية على وجه الخصوص، أحد أبرز شيوخها ورجالاتها، ممن جمعوا بين سمو الأخلاق، ورجاحة العقل، وصدق الانتماء للوطن وقيادته. فقد نشأ في بيتٍ عريقٍ بالمجد والسيادة، فهو نجل الشيخ والفارس كريم العطيات، فحمل إرث والده بكل أمانة، وأضاف إليه من خصاله وسجاياه حتى أصبح مدرسةً في الحكمة، ورمزًا للإصلاح، ومرجعًا في الرأي والمشورة.

لم تكن مشيخته لقبًا يُتوارث، بل كانت مسؤوليةً جسّدها واقعًا؛ فكان مجلسه عامرًا بالخير، ومفتوحًا للقاصدين، وملاذًا للمحتاج، ومنبرًا لإصلاح ذات البين، لا يرد صاحب حاجة، ولا يغلق بابه في وجه ملهوف، ولا يتأخر عن نجدة مستغيث، فاستحق محبة الناس قبل احترامهم، وتقديرهم قبل ثنائهم.

وعُرف الشيخ جزاع بكرمه الفياض، وشهامته الأصيلة، ودماثة خلقه، وتواضعه الجم، حتى غدا مثالًا للرجل الذي جمع بين قوة الشخصية ولين الجانب، وبين الحزم في الحق والرحمة بالناس، فكان محبوبًا في حضوره، مهيبًا في كلمته، كريمًا في عطائه، ثابتًا في مواقفه.

وكان (رحمه الله )مثالًا للمواطن الصالح، عرف بولائه الصادق للمملكة العربية السعودية، ووفائه الراسخ لقيادتها الرشيدة، وإيمانه العميق بوحدة الوطن وأمنه واستقراره. وقد حظي بثقة ولاة الأمر وتقديرهم، وهو تقدير لم يأتِ من فراغ، وإنما كان ثمرة مسيرة طويلة من الإخلاص والوفاء وخدمة المجتمع، حتى أصبح أحد الوجوه الاجتماعية التي تحظى بالاحترام والتقدير في مختلف المحافل

.تجسدا هذه الثقة في الزيارة الكريمة التي تشرف بها من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء (حفظه الله )خلال زيارته لمنطقة تبوك، حيث استقبله في منزله، في مشهدٍ عكس ما يحظى به الشيخ الراحل من تقدير ومكانة رفيعة لدى القيادة. كما حظي (رحمه الله ) باهتمام ورعاية صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلطان بن عبدالعزيز أمير منطقة تبوك، وسمو نائبه الأمير خالد بن سعود بن عبدالله الفيصل اللذين حرصا على زيارته والاطمئنان عليه، تقديرًا لما يمثله من قيمة اجتماعية ووطنية، ولما قدمه من أدوار مشهودة في خدمة قبيلته ووطنه، وإسهاماته في تعزيز أواصر التلاحم بين القيادة والمواطن، وهي مواقف ستظل شاهدة على رجلٍ عاش كبيرًا، ورحل كبيرًا، وبقيت سيرته ناصعة في ذاكرة الوطن وأبنائه

لقد أدرك الشيخ الراحل أن المشيخة ليست وجاهةً اجتماعية، وإنما أمانة ومسؤولية ورسالة، فحملها بإخلاص، وظل وفيًا لقيمها حتى آخر أيامه، فكان صوت الحكمة عند الاختلاف، وراية الصلح عند النزاع، وعنوان الكرم عند الضيافة، وسندًا لأبناء قبيلته ولكل من عرفه.

واليوم، وقد غيّبه الموت عن الدنيا، فإن سيرته لن تغيب عن الذاكرة، لأن الرجال العظماء لا يُقاسون بطول أعمارهم، بل بعظيم أثرهم، وما يتركونه من مواقف خالدة، وسيرة عطرة، ومحبة صادقة في قلوب الناس
رحل الشيخ جزاع بن كريم العطيات (رحمه الله )، لكن الرجال من هذا الطراز لا يغيبون؛ لأن أعمارهم الحقيقية تُقاس بما تركوه من مواقف، وما غرسوه من قيم، وما نالوه من محبة الناس واحترام القيادة. ستبقى سيرته عنوانًا للحكمة، والكرم، والوفاء، وسيظل اسمه حاضرًا في ذاكرة تبوك وبني عطية، بوصفه أحد رجالاتها الذين خدموا دينهم، ومليكهم، ووطنهم بإخلاص حتى آخر العمر.
رحم الله الشيخ (جزاع بن كريم العطيات )رحمةً واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وجعل ما قدمه من خير، وما غرسه من قيم الوفاء والكرم والإصلاح، في موازين حسناته، وألهم أسرته الكريمة، واهالي منطقة تبوك عامة وقبيلة بني عطية خاصة ومحبيه في كل مكان، جميل الصبر وحسن العزاء.

يرحل الرجال… وتبقى المواقف، وتفنى الأعمار… وتبقى السيرة الطيبة عنوانًا لا يمحوه الزمن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى