
تبوك وفهد بن سلطان… أربعون عامًا من الوفاء وصناعة التحول بقلم الدكتور حرب العايش
ثمة رجالٌ تتجاوز علاقتهم بالمكان حدود المنصب والمسؤولية، حتى يصبحوا جزءًا من ملامحه وذاكرته وتاريخه. ومن هذا المنطلق، يصعب الحديث عن تبوك الحديثة دون أن يحضر اسم صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلطان بن عبدالعزيز، كما يصعب استحضار مسيرته الإدارية والتنموية دون أن تتصدر تبوك صفحاتها المضيئة.
على مدى أكثر من أربعة عقود، نشأت بين الأمير والمنطقة علاقة استثنائية، تجاوزت إطار العمل الرسمي إلى شراكةٍ في صناعة التحول، ومرافقةٍ دائمة لمسيرة البناء والنماء. فجيلاً بعد جيل، ظل أبناء تبوك يرون في سموه حاضرًا في تفاصيل حياتهم، قريبًا من تطلعاتهم، ومتابعًا لشؤون منطقتهم، حتى غدا اسمه جزءًا أصيلًا من ذاكرة تبوك.
وخلال هذه المسيرة الطويلة، شهدت تبوك تحولات نوعية نقلتها إلى آفاقٍ أرحب من التنمية والازدهار. فقد تعززت البنية التحتية، وتطورت الخدمات، واتسعت رقعة التنمية في مدنها ومحافظاتها، واستثمرت مقوماتها الزراعية والسياحية والاقتصادية، لتتبوأ مكانةً متقدمة بين مناطق المملكة، وتصبح وجهةً واعدة للاستثمار والتنمية المستدامة.
ولم تكن هذه المنجزات بمعزل عن رؤيةٍ استشرفت المستقبل مبكرًا، وأسهمت في تهيئة المنطقة لتكون شريكًا فاعلًا في النهضة الوطنية الكبرى التي تعيشها المملكة اليوم. ومع انطلاق رؤية المملكة 2030، برزت تبوك بوصفها إحدى أهم بوابات المستقبل، واحتضنت مشروعات استراتيجية عملاقة، عززت مكانتها على المستويين الوطني والدولي، ورسخت حضورها كإحدى ركائز التنمية الحديثة.
غير أن ما يميز تجربة الأمير فهد بن سلطان لا يقتصر على سجل الإنجازات التنموية فحسب، بل يمتد إلى ذلك الرصيد الإنساني العميق الذي بناه مع أبناء المنطقة عبر السنين. فقد ظل حاضرًا بينهم في مناسباتهم العامة والخاصة، يشاركهم أفراحهم ويقف إلى جانبهم في مختلف المحطات، حتى أصبحت صورته في وجدان المجتمع جزءًا من المشهد المألوف الذي ارتبط بحياة تبوك وأهلها.
ولعل من أكثر المشاهد دلالةً على هذه العلاقة الوثيقة، حضوره السنوي لصلاة العيد مع الأهالي على امتداد أكثر من أربعين عامًا، في تقليدٍ جسّد عمق القرب بين القيادة والمجتمع. وحين غاب سموه هذا العام بسبب رحلته العلاجية، شعر كثير من أبناء المنطقة بأن مشهدًا اعتادوه لعقود قد افتقدوه مؤقتًا، فكانت الدعوات الصادقة ترافق رحلته، وكانت مشاعر الفرح والاطمئنان تسبق عودته.
ولذلك لم تكن عودة الأمير فهد بن سلطان إلى تبوك مجرد عودة مسؤول إلى مقر عمله، بل كانت عودة فصلٍ أصيل من فصول حكاية امتدت لأكثر من أربعة عقود؛ حكايةٌ كتبتها الإنجازات، وحفظتها ذاكرة المكان، ورسختها محبة الناس.
إن المدن العريقة تحفظ في وجدانها أسماء الرجال الذين أسهموا في صناعة تحولاتِها الكبرى، وتبوك وهي تستقبل أميرها اليوم، تستحضر مسيرةً طويلة من العطاء والبناء، وتستقبل رمزًا ارتبط باسمها كما ارتبطت باسمه، حتى أصبح الحديث عن أحدهما يقود بالضرورة إلى الآخر.
حفظ الله سمو الأمير فهد بن سلطان، وألبسه ثوب الصحة والعافية، وأدام على تبوك والمملكة أمنها واستقرارها وازدهارها، لتواصل مسيرة التنمية المباركة في ظل القيادة الرشيدة، نحو مستقبلٍ أكثر إشراقًا وطموحًا



