مقالات

قيمه لا يجيدها الجميع

للكاتبة الإعلامية / موضى بنت سليمان

لا يعد الاعتذار في ميزان الأخلاق مجرد رد فعل على خطأ عابر، ولا وسيلة لتلطيف المواقف أو احتواء ما يفسد العلاقات، بل هو فلسفة أخلاقية متكاملة، ومؤشر بالغ الدقة على نضج الإنسان ورقي وعيه. إنه ثقافة لا يمتلكها إلا من تجاوز ضيق الأنا، وأدرك أن الاعتذار لا ينتقص من قدر صاحبه، بل يكشف عن سمو نفسه، ويمنح الآخر حقه من التقدير والاحترام.

ولعل السؤال الذي يستحق أن يطرح هو: كيف تحولت كلمة الاعتذار عند بعض الناس إلى عبء ثقيل، مع أنها من أرقى صور التهذيب الإنساني؟ ولماذا أصبح الإصرار على الخطأ عند البعض أقرب إلى الفضيلة من الاعتراف به؟

إن الاعتذار ليس موقفًا تفرضه الظروف، وإنما خلق أصيل يكشف حقيقة التربية، ويترجم نقاء السريرة، ويعكس مقدار احترام الإنسان لنفسه قبل احترامه للآخرين. وتبلغ هذه القيمة ذروتها في تفاصيل الحياة التي يظنها كثيرون هينة؛ فالاعتذار عن تأخير، أو عن إلغاء موعد، أو عن تقصير فرضته ظروف خارجة عن الإرادة، ليس اعتذارًا عن الذنب بقدر ما هو إعلان صريح بأن وقت الآخرين له قيمة، وأن مشاعرهم لا يجوز أن تعامل بالاستهانة أو التجاهل. فهل هناك صورة أبلغ من ذلك في تقدير الإنسان للإنسان؟

لقد ترسخت في أذهان كثيرين مغالطة مؤسفة، مفادها أن الاعتذار انكسار، وأن التراجع عن الخطأ هزيمة، وأن التشبث بالرأي، مهما كان واهيًا، دليل قوة وهيبة. غير أن الحقيقة تسير في اتجاه مغاير تمامًا؛ فالنفوس الصغيرة وحدها هي التي تخشى الاعتذار، لأنها تبني كرامتها على صورة زائفة، أما النفوس الكبيرة فتبني كرامتها على الصدق مع ذاتها. ومن يملك شجاعة الاعتراف بخطئه، يملك قبل ذلك شجاعة محاسبة نفسه، وهذه منزلة لا يبلغها إلا أصحاب الثقة الراسخة.

وليس الاعتذار دليلًا على كثرة الأخطاء، كما يتوهم البعض، بل هو دليل على يقظة الضمير. فالإنسان الراقي لا ينتظر أن يطالبه الآخر بحقه، بل يبادر إلى جبر الخاطر، ويشعر بمسؤوليته الأخلاقية حتى فيما لم يكن متعمدًا أو داخلًا في نطاق إرادته. إنه يدرك أن أثر الخطأ لا يزول بمجرد حسن النية، وإنما يخففه حسن الأدب.

ومن أراد أن يبلغ الاكتمال الأخلاقي، فلن يجده في كثرة المواعظ ولا في ادعاء المثالية، بل في تهذيب النفس حتى تصبح المبادرة إلى الاعتذار سلوكًا طبيعيًا لا يحتاج إلى تردد أو حساب. فالأخلاق العظيمة لا تقاس بالمواقف الاستثنائية وحدها، وإنما تقاس بما يفعله الإنسان في التفاصيل التي لا يلتفت إليها أكثر الناس.

وفي الختام، يبقى الاعتذار من أنبل الفضائل وأرفعها، لأنه انتصار على الكبر قبل أن يكون اعترافًا بالخطأ. وهو المعيار الذي يكشف حقيقة النفوس بعيدًا عن المظاهر والأقوال. فكل إنسان يستطيع أن يدافع عن نفسه، لكن قليلين فقط يملكون شجاعة الإنصاف، والإنصاف يبدأ دائمًا من القدرة على الاعتذار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى