
مزارعو وادي الدواسر.. لا تُرخصوا ثمار النخيل ولا تُهدروا تعب عامٍ كامل
مع كل موسمٍ يقترب فيه نضج تمور وادي الدواسر، ولا سيما أصناف السري والخلاص، يتكرر مشهد بات مألوفاً لدى المزارعين؛ إذ تتوافد أعداد من المشترين من العمالة الوافدة، يحملون هدفاً واحداً هو شراء المحصول بأقل الأسعار الممكنة، مستفيدين في كثير من الأحيان من غياب التنسيق بين المزارعين، ومن حاجة بعضهم إلى السيولة أو سرعة التصريف، لتصبح المساومة على محصول عامٍ كامل واقعاً يتكرر في كل موسم.
وليس من المبالغة القول إن النخلة في وادي الدواسر لا تمنح خيرها بسهولة، فخلف كل عذق من التمور رحلة طويلة من العمل والإنفاق تبدأ منذ انتهاء الموسم السابق، حيث يقضي المزارع عاماً كاملاً بين الري، والتسميد، والتقليم، والتكريب، والتلقيح، والتكميم، ومكافحة الآفات، ومتابعة النخيل يوماً بعد يوم، إلى جانب ما يتحمله من تكاليف الكهرباء، وأجور العمالة، وصيانة المعدات، وارتفاع أسعار المستلزمات الزراعية؛ وكل ذلك يجعل التمر منتجاً عالي التكلفة، لا سلعة يمكن التفريط بها تحت ضغط المساومة.
المؤسف أن بعض المشترين يعتمدون على أسلوب معروف يتمثل في الاتفاق فيما بينهم على سقف سعري موحد، ثم يتنقلون بين المزارع بالأسعار نفسها، فيجد المزارع نفسه أمام عروض متقاربة لا تعكس القيمة الحقيقية لمحصوله، وكأن الجميع يتحدث بصوت واحد؛ والنتيجة أن السعر لا يخضع لقوى السوق الطبيعية، بقدر ما يخضع لحالة من الاتفاق غير المعلن التي تُضعف موقف البائع وتنتقص من قيمة المنتج.
ولا يعني ذلك الاعتراض على مبدأ التجارة أو التفاوض، فالمساومة جزء من البيع والشراء، كما أن من حق المشتري أن يبحث عن السعر المناسب، لكن من حق المزارع أيضاً أن يحصل على قيمة عادلة لمحصوله، بعيداً عن أي ممارسات تؤدي إلى بخس الأسعار أو استغلال حاجة المنتج.
ومن هنا تبرز أهمية أن يكون مزارعو وادي الدواسر أكثر تنظيماً وتنسيقاً فيما بينهم؛ فكما يجيد المشترون التنسيق وتبادل المعلومات، فإن المزارعين أولى بتوحيد مواقفهم، وتبادل المعلومات عن الأسعار، وعدم الاستعجال في البيع بأقل من القيمة العادلة، وإنشاء مجموعات تواصل تساعدهم على معرفة حركة السوق، وتبادل الخبرات، وتفادي استغلال بعض السماسرة أو المشترين.
إن وحدة المزارعين لا تعني احتكار السوق أو المغالاة في الأسعار، وإنما تعني حماية المنتج الوطني من البيع بأقل من قيمته، وتحقيق التوازن بين مصلحة البائع والمشتري؛ فالاعتدال مطلوب من الجميع؛ فلا ظلم للمشتري بالمبالغة في الأسعار، ولا ظلم للمزارع بانتقاص حقه بعد عام كامل من الجهد والتكاليف.
وتُعد وادي الدواسر إحدى أكبر المحافظات المنتجة للتمور في المملكة، وتمتلك سمعةً راسخة في جودة أصنافها التي تحظى بطلب واسع داخل المملكة وخارجها، وهو ما يفرض على الجميع مسؤولية المحافظة على هذه المكانة، ليس فقط بتحسين جودة الإنتاج، بل أيضاً بصون قيمته الاقتصادية، لأن انخفاض الأسعار بصورة غير مبررة ينعكس سلباً على استمرار المزارع، ويؤثر في مستقبل هذا القطاع الحيوي.
إن الرسالة التي ينبغي أن تصل مع بداية كل موسم واضحة: لا تُرخصوا ثمار نخيلكم، ولا تجعلوا تعب عام كامل يضيع في ساعات من المساومة؛ فحين يدرك المزارعون قيمة منتجهم، ويتعاملون بروح الجماعة، ويضعون مصلحة القطاع فوق المصالح الفردية الآنية، فإن السوق سيعود إلى توازنه الطبيعي، وسيحصل كل طرف على حقه دون إجحاف.
فتمور وادي الدواسر ليست مجرد محصول زراعي، بل هي تاريخٌ وهوية، ومصدر رزق لآلاف الأسر، وثروة وطنية تستحق أن تُباع بقيمتها الحقيقية، وأن تُصان من كل ممارسة تُقلل من مكانتها أو تُهدر حقوق منتجيها.
مبارك بن عوض الدوسري
@mawdd3



