
”شهداء الواجب” .. سماءٌ حملتهم وأرضٌ لن تنساهم …. بقلم الإعلامية إبتسام الحبيل
هناك أخبار لا تمرّ على القلوب مرورًا عابرًا بل تستقر فيها كالغصة ، لأنها لا تتحدثُ عن أرقامٍ وإنما عن أرواحٍ كانت تؤدي واجبها وعن رجالٍ خرجوا يحملون مسؤولياتهم، فعادوا إلى ربهم تاركين خلفهم سيرةً من الوفاء وأُسرًا يملؤها الفخر رغم عظيم الفقد.
هناك رجالٌ لا يمتد بهم العمر ليعيشوا في واجهةِ المشهد لكنهم باقين كجزءٍ من نبض الوطن ، وحين يرحلُ هؤلاء الرجال دفعةً واحدة، لا يكون الفقد حزن أُسرهم فقط بل يصبح حزنَ وطنٍ بأكمله ، فلقد كانت فاجعة مروحية أرامكو وجعاً سعوديًا خالصاً ، وجعاً أعاد إلى الأذهان أن الأوطان تقوم على رجالاتها اللذين حملوا الأمانة وأخلصوا في أداءِ واجبهم حتى كانت آخر رحلاتهم وهم يؤدون رسالتهم.
في تلك اللحظة لم يكن الخبر مجردَ حادثٍ بل كان اختباراً جديداً لمعنى الوطن ، ذلك المعنى الذي لا يُكتب في الكتب، بل يُرى في المواقف.
أحدثكم عن شعور قلبٍ فقد شخصاً لا يعرفه شخصياً لكنه يلامس قلبك لأنه يحمل اسم بلادك ، أحدثكم عن مشهدِ بكاءٍ لأسرةٍ فقدت إبناً او أباً لكنك تبكي لإحساسك بفقد من كان يخدم وطنك ، في حين انك تُدرك جلياً أن من يرحل وهو يؤدي واجبه لا يترك خلفه فراغًا في بيته فحسب بل يترك أثرًا في ذاكرة وطنٍ كامل.
وفي المملكة، لا تقفُ القيادةُ بعيدًا عن أحزان شعبها، بل تنزل إلى مساحةِ الإنسان قبل أي اعتبار آخر، فقد جاءت تعزية ولاة الأمر لأسر الراحلين رسالةً أبلغ من الكلمات، تؤكد أن المواطن في هذا الوطن ليس رقماً في سجل وإنما قيمةٌ محفوظة ، وأن من بذل عمره في خدمة وطنه لا ينساه الوطن ولا يترك أهله وحدهم أمام قسوة الفقد.
لقد كانت مبادرة القيادة الحكيمة بتقديم العزاء ومواساة ذوي المتوفين رسالةً إنسانية قبل أن تكون واجبًا رسميًا، تؤكد أن الإنسان في هذا الوطن محلَ عنايةٍ واهتمام، وأن فقده ليس شأن أسرته وحدها، بل هو مصاب وطنٍ بأكمله ، ويدُ القيادة حين امتدّت بالمواساة لأُسر شهداء الوطن حملت في راحتيها رسالةً تُطمئن وطنًا كاملًا بأن أبناءه محلَ تقدير، أحياءً كانوا أم راحلين.
هي العلاقةُ بين القيادةِ والشعب ، العلاقةٌ التي لا تصنعها المناسبات فحسب بل تبنيها المواقف ، فإذا تألم المواطن شعرت به القيادة وإذا تحدثت القيادة وجد الشعب في كلماتها عزاءً وسندًا ، أحدثكم هنا عن اللحمةِ الوطنية التي لا تُفرض بالقوانين، وإنما تنبت في القلوب، وتكبر مع كل موقفِ وفاء.
لقد رأينا وطنًا كاملًا يلتف حول هذا المصاب ، دعواتٌ ارتفعت من كل مدينةِ في ارجاء البلاد وقلوبٌ اجتمعت على الحزن ذاته وألسنةٌ لم تعرف أسماء الراحلين جميعًا، لكنها عرفت أنهم أبناء هذا الوطن، وذلك وحده كان كافيًا ليجعل الجميع قبيلةً واحدةً في مصابٍ واحد ، رأينا كيف توحدت مشاعر السعوديين جميعًا بالدعاءِ والكلمةِ الصادقةِ والمواساةِ واستحضار قيم الوفاء ، فلم يكن الحزن حكرًا على أسر شهداء الوطن بل كان حزنًا عامًا، لأن رجال الوطن لا ينتمون إلى عائلاتهم وحدها، وإنما ينتمون إلى وطنٍ أحبوه وأحبهم وقدموا ولائهم وعطائهم له وقدم لهم بالمقابل وفاءً وتقدير.
ولعل أعظم ما يورثه الأوفياء بعد رحيلهم، أنهم يعيدون تعريف معنى الانتماء ، يعلموننا أن حب الوطن ليس شعارًا يُرفع ولا كلماتٍ تُردد في المسرات فقط بل هو إخلاصٌ في العمل وأمانةٌ في المسؤولية وثباتٌ على الواجب حتى آخر الطريق.
قبل ختام الكلمات نقول : سيبقى الوطن وفيًا لمن كانوا أوفياء له، وستبقى المملكة كما عرفها أبناؤها قيادةً تحمل همّ الإنسان قبل كل شيء وشعبًا إذا أصاب أحد أفراده ألمٌ تقاسمه الجميع.
ولأنه في المُصاب الكبير يتجلّى الوطن العظيم، ولأن الأوطان العظيمة لا تُحفظ بقوة حدودها فحسب، بل بقيادةٍ حكيمة ترعى أبناءها، وبرجالٍ يقدّمون أرواحهم قبل جهودهم، وبشعبٍ يدرك أن وحدته هي أعظم ثرواته فقد كان هذا المصاب شاهدًا جديدًا على أن المملكة لا يجمعها ترابٌ واحد فقط، بل تجمعها قلوبٌ واحدة وولاءٌ ومصيرٌ واحد.
وكلنا نعلم أنهم رجالٌ من رجال هذا الوطن قد رحلوا من عالمنا الدنيوي لكنهم بلا شك لن يرحلوا من ذاكرة الوطن ، فرحم الله شهداء الواجب، وجعل تضحياتهم وسامَ عزٍ في ذاكرة الوطن، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، وحفظ الله المملكة العربية السعودية قيادةً وشعبًا، لتبقى دائمًا وطنًا إذا اشتدّت الخطوب ازداد تماسكًا وإذا نزلت به المحن ازداد رفعةً ووحدةً، لأن أعظم ما يملكه ليس ما فوق أرضه فقط بل من يمشون عليها مخلصين، يذودون عنها أوفياءَ حتى آخر الأنفاس لتبقى رايته خفاقةً بالمجد، ويظل الوفاء فيه خُلُقًا لا يتغير، ووعدًا يتجدد مع كل جيل.



