
هل انت فوق … بقلم الكاتب عبدالله بكري القرني
النقد الإيجابي.. هل هو للتقدم أم للدفاع عن الذات؟
منذ زمن وفي هذا الزمن اصبح التواصل الاجتماعي السريع والآراء الجاهزة، جعل من النقد الإيجابي كلمة تثير الجدل قبل أن تثير التفكير. يُرمى بها يميناً ويساراً، فتارة تُقابل بالترحيب واخرى بالغضب والدفاع. لكن ما هو النقد الحقيقي؟ وهل هناك فرق بين النقد الهدام والنقد الإيجابي (أو البنّاء)؟ ولماذا يتصرف بعض الأفراد والمؤسسات وكأنهم «فوق النقد»؟
النقد الإيجابي.. ليس مديحاً مقنّعاً
النقد الإيجابي ليس مجاملة مغلفة، ولا هو هجوم شخصي. هو أداة تحليلية تهدف إلى تحسين الأداء أو الفكرة أو المنتج مهما كانت صفته ويركز على نقاط الضعف مع وضع الاقتراح والحلول العملية، والمحافظة على الاحترام للطرف الآخر.
في عالم الأعمال مثلا، الشركات العملاقة مثل «غوغل» و«أمازون» وغيرها تبني ثقافة «النقد البنّاء» كجزء أساسي من عملياتها. فالموظفون يتلقون تغذية راجعة دورية لا تُركز فقط على الأخطاء، بل على كيفية تجاوزها. لتكون النتيجة؟ ابتكار مستمر وتطور سريع. أما في والإعلام وغيره من المؤسسات فغالباً ما يُختزل النقد إلى «معارضة» أو «تشكيك»، فيُقابل بالرفض الفوري. وعدم القبول والجدل الذي ينتهي بخصام وفرقه
فهل أنت «فوق النقد»؟
الإجابة المباشرة: لا أحد فوق النقد.
لان التاريخ يثبت بأن حتى أعظم القادة التاريخيين، من الخلفاء الراشدين إلى قادة العصر الحديث، كانوا يستشيرون ويستمعون.
قال الرسول محمد ﷺ : «الدين النصيحة». والنصيحة هنا هي شكل من أشكال النقد الإيجابي الصادق. أما من يدّعي أنه «فوق النقد» فغالباً ما يعاني من احد أو أكثر من الظواهر التالية
1. الغرور الشخصي: باعتقاده النجاحات السابقة تمنح حصانة دائمة.
2. الخوف من الظهور ضعيفاً: قبول النقد يُفسر خطأً على أنه اعتراف بالفشل.
3. ثقافة السلطة المطلقة: في بعض الاشخاصيُعتبر النقد نوعاً من «العصيان» أو «الخيانة».
4. عدم التمييز بين النقد والإهانة كل ملاحظة تُقابل كأنها هجوم شخصي.
عندما يرفض شخص أو جهة النقد جملة وتفصيلاً، فإنه يغلق باب التطور على نفسه. التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات التي أصرت على «الكمال» سقطت، بينما الدول والشركات التي احتضنت النقد البنّاء ازدهرت.
لماذا لا نقبل النقد؟
الأسباب نفسية في المقام الأول:
- الدفاع عن الأنا: النقد يهز صورة الذات التي بنيناها.
- التربية: كثير منا تربى على أن «النقد عيب» أو «ما ينقد إلا الحاسد».
- البيئة: في مجتمعات تُكافئ الصمت وتُعاقب الصوت الناقد، يصبح رفض النقد سلوكاً وقائياً.
لكن العكس صحيح أيضاً. الشخص الناضج والمؤسسة الذكية يفرقان بين: - النقد الهدام (تجريح بدون حلول).
- النقد الإيجابي (ملاحظة + دليل + اقتراح).
كيف نصنع ثقافة نقد إيجابي؟
- غيّر طريقة استقبالك: ابدأ بـ«شكراً» قبل «لكن». اسأل: ما الحل الذي تقترحه؟
- ركز على الفعل لا على الشخص: قل «هذا الإجراء يحتاج تحسيناً» بدلاً من «أنت فاشل».
- اطلب النقد صراحة: القادة العظماء يسألون: «ماذا أحتاج أن أغير؟»
- فرّق بين النقد والكراهية: ليس كل من ينتقدك عدواً لك.
في النهاية، النقد الإيجابي ليس رفاهية، بل ضرورة وجودية لأي مجتمع أو فرد يريد البقاء والتطور. من يرفضه يعلن بطريقة غير مباشرة أنه وصل إلى نهايته. ومن يقبله بصدق يفتح أبواب المستقبل.
في عالم يتغير بسرعة مذهلة، لا يملك أحد رفاهية أن يكون «فوق النقد». السؤال الحقيقي ليس «هل أتقبل النقد؟» بل «هل أنا مستعد لأتغير بناءً عليه؟» أم لا تقبل؟؟ اجب على نفسك بما تراه.
الإعلامي: عبدالله بكري القرني



