
الطلاق بين الزوجين بدون مبرر في الشريعة الإسلامية
عقد الزواج في الإسلام ميثاق غليظ جعله الله سبحانه وتعالى آية من آيات خلقه ومظهراً من مظاهر رحمته لتقوم الأسرة على أسس متينة من السكن والمودة والرحمة وبناء المجتمع الصالح إلا أن بعض الأزواج قد يتسرعون في اتخاذ قرار الطلاق دون مبرر شرعي أو سبب وجيه وهو الأمر الذي يترتب عليه مفاسد عظيمة تهدم الكيان الأسري وتشتت الأبناء وتخالف المقاصد الشرعية التي حث عليها الدين الحنيف في حفظ واستقرار البيوت المسلمة وتجنب الإضرار بالآخرين دون وجه حق ولقد عظم القرآن الكريم شأن عقد النكاح ووصفه بالميثاق الغليظ في قوله تعالى ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ وهذا الوصف يبين أهمية المحافظة على هذا الرباط المقدس وعدم الإقدام على نقضه لأدنى خلاف أو دون سبب يدعو إلى ذلك بل إن المنهج القرآني أرشد الأزواج إلى الصبر والاحتمال حتى في حال كراهية بعض الطباع لقوله سبحانه ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا یَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَرِثُوا۟ ٱلنِّسَاۤءَ كَرۡهࣰاۖ وَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ لِتَذۡهَبُوا۟ بِبَعۡضِ مَاۤ ءَاتَیۡتُمُوهُنَّ إِلَّاۤ أَن یَأۡتِینَ بِفَـٰحِشَةࣲ مُّبَیِّنَةࣲۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰۤ أَن تَكۡرَهُوا۟ شَیۡـࣰٔا وَیَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِیهِ خَیۡرࣰا كَثِیرࣰا﴾ فالأصل هو التمسك بالعقد ومحاولة الإصلاح وتجنب الفراق الذي لا داعي لهوفي السنة النبوية المطهرة نجد توجيهات سديدة تحذر من تشتيت الأسرة وتدعو إلى التروي حيث بين النبي صلى الله عليه وسلم عظم جرم طلب الطلاق من غير سبب حقيقي في قوله “أيما امرأة سألت زوجها طلاقا في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة” وهذا الوعيد الشديد يوضح أن طلب الفراق بلا مبرر هو تعد على حدود الله وفي المقابل حث النبي صلى الله عليه وسلم الرجال على استصلاح زوجاتهم والصبر عليهن فقال “لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر” مما يؤكد أن الشريعة تسد الطرق أمام الهدم العشوائي للمنظومة الأسريةوعلى النقيض من الطلاق العبثي فقد شرع الإسلام الطلاق عند وجود ضرر حقيقي يتعذر معه استمرار الحياة الزوجية استناداً إلى القاعدة الشرعية العظيمة “لا ضرر ولا ضرار” ومن أهم الأضرار التي توجب الطلاق في الشرع امتناع الزوج عن النفقة الواجبة مع قدرته عليها أو إعساره وعجزه عن توفير حد الكفاف وكذلك الهجر المتعمد وترك الفراش دون عذر شرعي والاعتداء الجسدي أو اللفظي والظلم الذي ينافي المعاشرة بالمعروف بالإضافة إلى العيوب المستحكمة والأمراض المعدية أو المنفرة التي تمنع تحقيق مقاصد النكاح أو وقوع أحد الزوجين في الفواحش والمعاصي التي تفسد الدين والأخلاق ففي مثل هذه الأحوال يصبح الفراق مخرجاً شرعياً لرفع الأذى وصيانة الكرامةإن الآثار المترتبة على قرار الطلاق العبثي تتجاوز الزوجين لتصيب المجتمع بأسره بالتفكك والضعف ولذلك فإن الالتزام بالضوابط الشرعية والصبر على المشكلات وتفعيل لغة الحوار والتحكيم هي السبل الكفيلة بحماية الأسرة المسلمة من الانهيار وضمان تنشئة الأجيال في بيئة مستقرة يسودها الأمن النفسي والاجتماعي



