مقالات

بين الضوء والريش بقلم: منيرة عوض الله الحربي

حين تضيق الروتينيات على الروح، وتتسارع خطى الأيام في زحام المدينة، تأتي نافذة من الطمأنينَة لتطل من يدٍ حانية….
يدٍ لا تبحث عن مقابل، بل تجود بالحب على شكل حبّات قمح متناثرة كنجوم أرضية تحاكي نجوم السماء.
حين أتأمل تلفت نظري
تلك الأجنحة المرفرفة ليست مجرد ريش يتحرك، بل هي أرواح صغيرة تملؤها اللهفة..
تقترب وكأنها تخطو على لحن موسيقي خفي، تعزفه رغبة البقاء وشوق اللقاء. ..
كل عصفور يروي قصة؛ هذا يحلق باحثاً عن مكانٍ بين الزحام، وذاك يبسط جناحيه باتزان بديع لينقضّ برفق على رزقه المكتوب، وكأن الأرض بدأت تضيق طوعاً لتتسע لقلوبهم الصغيرة.

​وهنا، يتجلى النقاء في أبهى معانيه؛ إذ تنبثق براءة الأطفال وتضيء عينان واسعتان تملؤهما الدهشة والفرح الصادق. إنه طفلٌ لم تُثقله هموم الكبار…..
يجلس على الأرض بتواضع المحبين، وقد انحنت كتفاه ليحطّ عليها طائرٌ آمن، وتناثرت حول كفيه الصغيرتين حبّات القمح وكأنها عقد أمان يمدّه للطير بلا إحساس بالخوف أو الحذر. في عينيه تُقرأ لغة الفطرة الأولى، لغة تتواصل بلا كلمات مع هذه المخلوقات، ليصبح هو ذاته جزءاً من لوحة الطمأنينة والنقاء
بين دفء الكف وجوهر العطاء تلك الأصابع الممدودة بعفوية، الحاملة لوعاء الخشب الصغير، تمثل جسراً وثيقاً بين عالمين: عالم الإنسان بمشاغله وصخبه، وعالم الطير بسكونه وبساطته. إنها اللحظة التي يدرك فيها المرء أن السعادة الحقيقية تكمن في أبسط تفاصيلها؛ في صوت نقر المناقير الصغيرة على الحصى، وفي حركة الأجنحة المرتجفة طرباً بلقاء الخير.
نكاد نسمع سيمفونية الأرض والسماء..
تتكدس العصافير في أسفل المشهد كعقدٍ من اللآلئ البنية والذهبية المنتثرة فوق التراب الدافئ. لتنحني الرؤوس الصغيرة بامتنان صامت، وتلتقط الحبات بانتظام مذهل يعكس فطرة الحياة وسنن الكون…
وفي الأعلى، يكمل الطائر الهابط اللوحة، مارّاً بين ضوء الشمس وظلال العصر، ليمنحنا إحساساً بأن الوقت قد توقف تماماً عند هذه الزاوية، لتبقى فقط مشاعر الرحمة، والعطاء، والسكينة الخالدة التي تملأ الكون دفئاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى