مقالات

خبرات من الميدان التربوي … بقلم الإعلامية فازعة الصامطي

حين يخاف الطفل من المدرسة.. لا نكسر خوفه، بل نبني أمانه

مع بداية كل عام دراسي، تمتلئ البيوت بالاستعدادات؛ حقائب جديدة، ودفاتر، وملابس مدرسية، وعبارات الحماس للعودة إلى مقاعد الدراسة. لكن خلف بعض الأبواب هناك طفل يقف أمام المدرسة وقلبه ممتلئ بالخوف، وآخر يبكي عند لحظة الوداع، وثالث يرفض الذهاب تمامًا.

وهنا تبدأ مسؤولية الكبار.

خوف الطفل من المدرسة ليس دائمًا عنادًا، وليس دليلًا على ضعف شخصيته، بل قد يكون رسالة تحتاج إلى من يفهمها.

قد يخاف الطفل من الانفصال عن والديه، أو من بيئة جديدة، أو من المعلمة، أو من زملائه، أو من الفشل، أو من تجربة سابقة لم تكن مريحة. وقد لا يعرف كيف يعبّر عن ذلك بالكلمات، فيعبّر عنه بالبكاء أو الرفض أو الصمت أو التعلق الشديد بوالديه.

كيف نتعامل معه تربويًا؟

الخطأ أن نقابل خوف الطفل بالتوبيخ:

“أنت كبير، لماذا تبكي؟”
“زملاؤك لا يخافون!”
“إذا لم تدخل المدرسة سأعاقبك!”

مثل هذه العبارات قد تجعل الطفل يشعر أن خوفه عيب، فيخفي مشاعره بدل أن يتعلم التعامل معها.

أما التربية الواعية فتبدأ من الاحتواء.

يمكن للأم أو الأب أن يقول:

“أعرف أن المكان جديد عليك، ومن الطبيعي أن تشعر ببعض الخوف، لكنني أثق أنك تستطيع، وسنواجه هذا الشعور معًا.”

ثم يأتي التدرج؛ زيارة المدرسة قبل بدء الدراسة، الحديث عن اليوم الدراسي بصورة إيجابية، تعريف الطفل بما سيحدث، مساعدته على التعرف إلى معلمته وزملائه، ومنحه فرصة للتعبير عن مخاوفه دون مقاطعة أو سخرية.

والأهم أن يشعر الطفل أن الوالدين واثقان بالمدرسة وبقدرته على النجاح؛ فالطفل يقرأ مشاعر والديه قبل أن يسمع كلماتهم.

ومن أجمل الأساليب التربوية: الاحتفاء بالخطوات الصغيرة

إذا دخل الطفل المدرسة رغم خوفه، فلا نركز على أنه بكى، بل نقول:

“رغم أنك كنت خائفًا، استطعت أن تدخل.. وهذا يدل على أنك شجاع.”

هنا يتعلم الطفل مفهومًا بالغ الأهمية:

الشجاعة ليست ألا نخاف، وإنما أن نفعل الصواب رغم وجود الخوف.

وللمدرسة دور لا يقل أهمية

المعلم والمعلمة ليسا ناقلين للمعرفة فقط، بل هما جزء من صناعة الأمان النفسي للطفل.

ابتسامة عند الاستقبال، كلمة طيبة، مناداة الطفل باسمه، مساعدته على تكوين صداقات، وإشعاره بأنه مقبول؛ كلها تفاصيل صغيرة في نظر الكبار، لكنها قد تكون كبيرة جدًا في قلب طفل يخوض أول تجربة له في عالم المدرسة.

كما أن التعاون بين الأسرة والمدرسة والمرشد/ة الطلابي/ة مهم جدًا عندما يستمر الخوف أو يصبح شديدًا؛ لأن فهم السبب الحقيقي هو الخطوة الأولى نحو الحل.

رسالة إلى أولياء الأمور

لا تجعلوا أول تجربة لطفلكم مع المدرسة مرتبطة بالخوف والعقاب والتهديد.

حدثوه عن المدرسة كمساحة للتعلم والاكتشاف وتكوين الصداقات وتحقيق الأحلام.

ولا تقارنوا طفلكم بغيره؛ فالأطفال يختلفون في شخصياتهم وسرعة تكيفهم. ما يحتاجه طفل أسبوعًا قد يحتاجه طفل آخر وقتًا أطول.

امنحوا أبناءكم الأمان قبل التعليم، والثقة قبل التوقعات، والاستماع قبل الحكم.

فالطفل الذي يدخل المدرسة وهو يشعر بالأمان، يكون أكثر قدرة على التعلم، والتفاعل، وبناء العلاقات، واكتشاف قدراته.

وفي النهاية، قد لا يتذكر الطفل كل ما قلناه له في أول أيام المدرسة، لكنه سيتذكر شعوره عندما كان خائفًا:

هل وجد يدًا تمسك بيده؟
أم وجد صوتًا يزيد خوفه؟

وهنا تبدأ التربية الحقيقية.

فالمدرسة ليست مجرد بوابة يدخل منها الطفل كل صباح؛ إنها بداية رحلة، ومن واجبنا أن نجعل خطواته الأولى فيها مطمئنة، آمنة، ومليئة بالثقة والأمل. .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى