
الرجل الذي تقاعد من الحياة وهو ما زال حيًّا … للكاتبة الجوهرة الحمد
هناك رجال لا يهزمهم العمر، بل تهزمهم الفكرة. يستيقظ أحدهم وهو في كامل صحته، ثم يردد كل صباح: “لقد كبرت.” وكأن هذه العبارة تصريحٌ بالتخلي عن رسالته، والسعي، والإنتاج، والعطاء.
أكبر خطأ يرتكبه الإنسان أن يقنع نفسه بأن العمل مرحلة وانتهت، وأن الحياة أصبحت انتظارًا لما تبقى من العمر. فالذي يتوقف عن العمل وهو قادر عليه، لا يريح جسده، بل يدربه على الكسل، ويقنع عقله بالعجز، حتى يصبح الضعف حقيقة بعدما كان مجرد فكرة.
المشكلة ليست في عدد السنوات، بل في العقل الذي استسلم لها. كم من رجل تجاوز السبعين وما زال يبني، ويزرع، ويتعلم، ويعلّم، ويبتكر، وكم من آخر لم يبلغ الخمسين، لكنه أعلن هزيمته مبكرًا، وجلس يراقب الحياة من بعيد.
وهنا تظهر الحقيقة التي يتجنب البعض الاعتراف بها؛ عندما يختار الرجل القادر أن يعيش بلا هدف ولا عمل ولا إنجاز، فإنه لا يخسر نفسه فقط، بل ينعكس ذلك على أسرته أيضًا. فالبيت يحتاج إلى رجل يحمل روح المبادرة، لا رجلًا يقضي يومه بين الأريكة والهاتف، يراقب مرور الساعات وكأن الحياة انتهت.
إن احترام الأسرة لا يُبنى بالكلام، بل بالفعل. والزوجة ترى قيمة الرجل في حضوره، ومسؤوليته، وسعيه، وطموحه، لا في كثرة أعذاره. والأبناء يتعلمون من أفعال أبيهم أكثر مما يتعلمون من نصائحه. فإذا رأوا أباهم يستسلم للفراغ وهو قادر على العمل، تعلموا أن الكسل خيار مقبول.
الرجولة ليست لقبًا، ولا عمرًا، ولا مظهرًا. الرجولة أن تبقى نافعًا ما دمت قادرًا، وأن ترفض أن تكون عالة على وقتك أو على من حولك. ليس المطلوب أن تجمع الملايين، بل أن تبقى منتجًا، متحركًا، صاحب رسالة، مهما كان حجم ما تقدمه.
لقد أثبتت الحياة أن الإنسان يشيخ مرتين: مرة عندما يضعف جسده، وهذه سنة الله في خلقه، ومرة عندما يستسلم عقله، وهذه من صنعه هو.
لذلك، لا تقل: “أنا كبير.” بل قل: “ما دمت أتنفس، فما زال لدي ما أقدمه.”
فالإنسان لا يموت يوم يتوقف قلبه، بل يبدأ بالموت يوم يتوقف عن السعي، ويقنع نفسه أن أفضل أيامه أصبحت خلفه.
اعمل حتى آخر يوم تستطيع فيه أن تعمل، فالحياة لا تحترم المستسلمين، والتاريخ لا يذكر الذين جلسوا ينتظرون النهاية، بل يذكر الذين عاشوا كل يوم وكأنه بداية جديدة.



