
الوهم السريع.. حين تتحول الحمية إلى فخ صحي
لا تبدأ الحكاية عند الميزان، بل عند تلك اللحظة التي ينظر فيها الإنسان إلى المرآة محمّلًا برغبة التغيير وضغط الصورة المثالية. هناك بالضبط، ينزلق كثيرون إلى حميات قاسية تَعِد بالخفة وتغري بالنتيجة، لكنها في حقيقتها عبء على الجسد ومصيدة للصحة. ومع انتشار الإعلانات البراقة والوعود الخادعة، تحولت “موضة الدايت السريع” إلى اختصار للحلم، بينما هي في الواقع طريق مختصر نحو المرض.
الدلائل العلمية واضحة وصريحة. فدراسة منشورة في Journal of Obesity أوضحت أن الحميات القاسية تفقد الجسم ماءه وكتلته العضلية أكثر مما تفقده من الدهون، مما يجعل النتائج مؤقتة وسريعة الزوال. وفي تقرير لمنظمة الصحة العالمية، تبيّن أن أكثر من 80% ممن جربوا الحميات القاسية استعادوا أوزانهم خلال أقل من عام، وبعضهم عاد بزيادة أكبر مما فقد. أما المعهد القومي للصحة في الولايات المتحدة فحذّر من أن استبعاد مجموعات غذائية كاملة يضاعف خطر نقص الحديد والكالسيوم وفيتامين B12، وهو ما ينعكس على العظام والمناعة والجهاز العصبي.
وللأرقام المحلية والعالمية شواهدها أيضًا. ففي بريطانيا، سجّلت هيئة الخدمات الصحية الوطنية ارتفاعًا بنسبة 30% في مراجعات العيادات بسبب “متلازمة الحمية السريعة” خلال خمس سنوات فقط. وفي السعودية، كشفت دراسة لجامعة الملك سعود أن ربع الشابات اللاتي اتبعن “حميات عبر الإنترنت” أصبن باضطرابات في الدورة الشهرية نتيجة سوء التغذية. حقائق صادمة تكفي لتكشف أن ما يلمع على الشاشات قد يطفئ شعلة الصحة من الداخل.
لكن لماذا ينجذب الناس لهذا الفخ؟ ببساطة لأن ثقافة النتيجة السريعة باتت جزءًا من وعينا الجمعي. نبحث عن حلول سريعة ونصدق صور “قبل وبعد” التي تُعرض في دقائق، غير مدركين أن خلفها رحلة مليئة بالحرمان والاضطراب وربما المرض.
الحل ليس سرًا ولا سحرًا، بل حقيقة علمية ثابتة: خسارة الوزن الآمنة لا بد أن تكون تدريجية، بمعدل نصف كيلو إلى كيلو أسبوعيًا، عبر نظام غذائي متوازن يشمل كل المجموعات الغذائية، مصحوبًا بنشاط بدني منتظم. التجربة الفرنسية في برنامج التغذية الوطنية أثبتت أن التدرج والاعتدال أسهما في خفض معدلات السمنة بنسبة 15% خلال عشر سنوات، وهو دليل حي على أن الاستثمار في المدى الطويل أجدى من الركض خلف نتائج سريعة.
في النهاية، الحميات السريعة ليست سوى وعود لامعة تختفي بريقها سريعًا، لتترك خلفها جسدًا مرهقًا ونفسًا محبطة. الرشاقة الحقيقية لا تُقاس بسرعة الأرقام على الميزان، بل تُقاس بقدرة الجسد على أن يعيش بصحة وجودة ومرونة لسنوات طويلة




