
“عرفة” …. حين تفيض السماء بالعفو …. بقلم الكاتبه والاعلاميه خلود السفياني
يوم عرفة ليس كبقية الأيام، بل هو من تلك المحطات الفاصلة في عمر الروح، حيث تتوقف عجلة الحياة أمام مشهد إيماني خالد، وتفتح السماء أبوابها على مصراعيها، وكأنها تعانق الأرض رجاءً ورحمة.
في هذا اليوم العظيم، يقف الحجيج على صعيد عرفات، بثياب واحدة، وقلوب متجردة، لا يحملون إلا الدعاء والدموع، ولا ينشدون إلا العفو والمغفرة. إنهم هناك، في ذلك الموضع المبارك، يشهدون لحظة من أعظم لحظات الوجود: التقاء الأرض بالسماء، والتفات القلوب إلى خالقها، في وحدة لا مثيل لها.
قال الله تعالى:
“فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام” [البقرة:198]وكأن عرفات ليست فقط محطة للوقوف الجسدي، بل وقفة روحية تعيد ترتيب الداخل، وتنعش الإيمان الذي قد أنهكته الأيام.
ولنا نحن، من لم نكن على صعيد عرفات، فلا تزال أبواب الرحمة مشرعة. فقد قال رسول الله ﷺ:
“صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يُكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده” [رواه مسلم]فأي فضل أعظم من هذا؟ أن تصوم يومًا، فيغفر الله لك ذنوب سنتين!
هذا اليوم لم يُبارك بالفضل فحسب، بل خُتم فيه الدين، واكتملت فيه الرسالة، حيث نزل قول الله تعالى:
“اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام دينًا” [المائدة:3]كانت تلك الآية بمثابة إعلانٍ رباني أن الإسلام قد بلغ ذروته في الرحمة والهدى، وكأن عرفة هو توقيع من الله على عقد الرحمة مع عباده.
في عرفات، الدعاء لا يضيع، والدمع لا يُهدر، والنداء لا يُرد.
هو يوم الدعاء العظيم، حيث تختلط كلماتنا بدموعنا، وتعلو أرواحنا فوق أثقالها، تطرق أبواب السماء بيقين المضطر، ويقين العاشق، ويقين الحالم بالغفران.
إلى من أثقلته ذنوبه، إلى من أبطأ به عمله، إلى من ضاقت به الدنيا…
عرفة يناديك، والله ينتظرك.
فرُب دعوةٍ في هذا اليوم تُغيّر قدرك، وتكتب لك بداية لا يشوبها ألم.



