
حين يصبح الحلف عادة… وتغيب هيبة الكلمة بقلم الكاتبه والاعلاميه ابتسام الثبيتي
في زمنٍ أصبحت فيه الكلمات تُقال بسرعة، بات كثير من الناس يطلقون الأيمان دون تفكّر، حتى أصبح قول: “والله” يمر في الأحاديث اليومية مرور العادة، لا مرور الكلمة التي تُقال باستشعارٍ لعظمة الله وهيبة اسمه.
فالبعض يحلف ليُقنع، وآخر يحلف ليُبرر، وغيرهم يجعل اسم الله حاضرًا في كل صغيرة وكبيرة، وكأن الأمر مجرد لفظٍ يُستخدم لتقوية الحديث، لا عهدٌ يُخشى السؤال عنه يوم القيامة.
وقد نبّه القرآن الكريم إلى خطورة التهاون باسم الله، فقال سبحانه:
﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾
— سورة المائدة: 89
أي لا تُكثروا الحلف، ولا تجعلوا أيمانكم عُرضةً للكذب أو التهاون أو نقض الوعود.
المؤلم ليس في الحلف ذاته، بل في الاستهانة به.
حين يُصبح القسم وسيلة للهروب من الحقيقة، أو غطاءً لوعدٍ لا نية للوفاء به، أو أداةً تُستخدم وقت الغضب والخصام دون تقدير لعظمة ما يُقال.
لقد ربّى الإسلام المسلم على تعظيم الكلمة، لأن الكلمة ليست صوتًا عابرًا، بل موقفٌ وأمانة وأثر، قال تعالى:
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾
— سورة ق: 18
فالصدق لا يحتاج كثرة أيمان، وصاحب الحق لا يرهق الناس بالحلف المتكرر، لأن صدقه يظهر في أفعاله قبل أقواله. ولهذا ذمّ الله من يستهين بالحلف فقال:
﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ﴾
— سورة القلم: 10
أي كثير الحلف، الذي جعل اسم الله يجري على لسانه بلا تعظيم ولا ورع.
وقال رسول الله ﷺ:
“من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت.”
وفي هذا توجيه عظيم يجعل المسلم أكثر وعيًا بما يخرج من لسانه، وأكثر خوفًا من أن يجعل اسم الله حاضرًا في أمرٍ غير صادق أو وعدٍ غير محفوظ.
كما أن خلف الوعود والتهاون في حقوق الناس لا يقل خطرًا عن الكلمة نفسها، فكم من علاقة هدمها الكذب، وكم من ثقة ماتت بسبب وعود أُطلقت بلا وفاء.
وقد مدح الله أهل الصدق والوفاء فقال سبحانه:
﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾
— سورة الإسراء: 34
فالإنسان قد ينسى موقفًا، لكنه لا ينسى شعور الخذلان حين يُؤتمن على كلمة ثم تُنكسر أمامه.
إن احترام أسماء الله، والصدق في الحديث، والوفاء بالعهود، ليست أمورًا ثانوية في الأخلاق، بل هي من أساسيات الإيمان وحسن التعامل مع الناس.
فالمؤمن الحقيقي لا يجعل الحلف وسيلة لإثبات نفسه، بل يجعل صدقه وخلقه هما الشاهد عليه.
نحن بحاجة لأن نُعيد للكلمة مكانتها، وللوعد قيمته، ولأسماء الله هيبتها في قلوبنا قبل ألسنتنا.
فبعض الكلمات قد تُقال بسهولة… لكنها عند الله عظيمة.



