مقالات

غيبوبة الاعتيادبقلم الكاتبة الإعلامية: موضي بنت سليمان

كثيرًا ما تصادفنا في القرآن الكريم آيات تُجبرنا على التوقف في حالة من الذهول، نتأمل فيها إعجازًا لا ينتهي.

هناك أسئلة ربانية قد يظنها البعض مجرد سياق عابر، لكنها في الحقيقة نداءات وجودية عميقة:
“أفلا تنظرون؟”، “أفلا تتفكرون؟”.

إنها دعوات صُممت لتدفع الإنسان إلى الرؤية بعين الملاحظة الواعية، وأن يصل إلى الحقيقة بسعيه الذاتي؛ فالحقيقة التي يدركها الإنسان ببحثه، وإن ظلت ناقصة أمام جلال الخالق، تبقى هي الغاية، لأن “شرف المحاولة” هو المقصد الأسمى من التكليف.

وهنا نكتشف أن العائق الأكبر أمام الإنسان ليس ندرة البراهين، بل هو “الاعتياد”؛ ذلك الغلاف الذي يبلّد الحواس، ويجعل المعجزات الكبرى تبدو مألوفة وعادية.

المشكلة أن الاعتياد لا يسرق انتباهنا فقط، بل يسرق إحساسنا بالحياة نفسها؛ فكل ما يتكرر أمامنا يبدأ بفقدان أثره في داخلنا، حتى نظن أن فتور الدهشة نضج، بينما هو في جوهره تآكل صامت للإحساس.

فالقرآن لا يريد وعاءً للحفظ الآلي، بل كيانًا يقظًا يدرك سر كلمة “أفلا”، بما تحمله من نبرة عتاب رقيقة، تفتح باب العودة والتبصر.

كأن هذا النداء الإلهي يسائل أرواحنا بعمق:
أما زلت لا ترى هذا الإتقان؟
أما آن للقلب أن يستفيق من غفلته، ويتحرر من قيد الألفة، ليعود إلى رحاب التفكر الذي يحيي الروح قبل العقل؟

أخطر ما يفعله الاعتياد أنه لا يجعل الإنسان أعمى، بل يجعله يرى دون أن يشعر؛ يعتاد المعجزة حتى تفقد وقعها في داخله.

وهنا يبرز التساؤل الذي يكسر جدار الرتابة:
لو جُرّدت الأشياء من أسمائها المألوفة، ونظرت إلى تفاصيل حياتك بعين “المرة الأولى”…

فما المعجزة التي تلامسها كل يوم بيديك، ولم يصافحها قلبك بعد؟

وربما لهذا السبب تتكرر في القرآن دعوات النظر والتفكر؛ لأن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى دليل جديد، بقدر حاجته إلى قلب يستعيد قدرته على الدهشة.

إنها دعوة للنجاة من غيبوبة الاعتياد، والعودة إلى تلك اللحظة الصادقة التي يرى فيها الإنسان الوجود بقلب حي، وروح تُبصر النور في كل تفصيل.

ربما ليست المشكلة أننا لا نرى ..
بل أننا اعتدنا النظر دون أن نشعر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى