
هاكابي لا يعرض خياراً بل يبني سجناً …. بقلم الكاتب حمد حسن التميمي
تغريدة واحدة نشرها الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري، وزير الدولة ورئيس مكتبة قطر الوطنية، سمت بالاسم ما كنا نحس به دون أن نجد له كلمة: هاكابي لا يعرض خياراً، بل يبني سجناً. وحين تقرأ ما قاله السفير الأمريكي لدى إسرائيل بعين المحلل لا بعين المتفاعل، تدرك أن ما يجري أخطر بكثير من موقف دبلوماسي عابر.
الفخ بسيط في شكله ومدمر في مضمونه: المنطقة لا تتسع إلا لإسرائيل أو إيران، فاختر. هذا ما يسميه علماء النفس المعرفي “تأطير القرار”، حين تُحدد للآخر خياراته قبل أن يفكر فتجعله يسأل “أيهما أختار؟” بدل أن يسأل “لماذا أختار أصلاً؟” الفارق بين السؤالين هو الفارق بين من يملك وعيه ومن يسمح لغيره بامتلاكه. وهاكابي يعرف هذا جيداً، لأن من يملك صياغة السؤال يملك مسبقاً نصف الإجابة.
الفخ الحقيقي ليس في الاختيار بين إيران وإسرائيل، بل فيما يأتي بعد الاختيار. من يختار إسرائيل يجد نفسه يُقاتل عدو هاكابي بدمه هو، ثم يصحو في نهاية المعركة وحيداً أمام مشروع “إسرائيل الكبرى” الذي صرّح به هاكابي علناً. والسجن الذي يبنيه هاكابي ليس فقط سجن خيارات، بل سجن جغرافي توسعي مدروس المراحل: تصفية إيران أولاً بأيدي الخليج، ثم لا يبقى من يقف في وجه مشروع الابتلاع التالي. التاريخ يخبرنا أن هذا النمط ليس جديداً، في الحرب العراقية الإيرانية دفعت المنطقة ثمناً باهظاً لصراع أشعله آخرون واستفادوا منه، وحين انتهت الحرب لم يكن المنتصر الحقيقي لا بغداد ولا طهران. الثنائيات المزيفة التي يصنعها الأقوياء لا تُنتج سوى خاسرين متعددين وطرف واحد يجني الثمار من بعيد.
ما يجعل هذا الطرح خطيراً أنه جاء في لحظة مدروسة. المنطقة خرجت لتوها من حرب استنزفتها، والعواطف مشحونة، والجرح طازج. وهذه بالضبط التربة الخصبة التي يزرع فيها هاكابي بذرته، لأن من يسأل “لماذا أختار؟” في لحظة الغضب يُتهم بالتساهل، ومن يقبل الخيار يُمدح بالحزم. التوقيت ليس صدفة، بل هو جزء من المخطط، حين يكون العقل مشغولاً بالغضب يصبح أقل قدرة على رؤية من يوجه هذا الغضب ولماذا.
المرحلة القادمة ستشهد مزيداً من هذه الثنائيات كلما اقترب مشروع التوسع الإسرائيلي من التنفيذ، لأن كل خطوة توسعية تحتاج تغطية إقليمية، وأفضل تغطية هي أن تكون الدول العربية منشغلة بعدو آخر. الوعي بهذا النمط قبل أن تُطرح الثنائية التالية هو الدرع الوحيد الذي لا يُخترق بالغضب ولا يُشترى بالمصالح قصيرة الأمد.
الرفض الحقيقي لهذا الخيار لا يكون بإعلان الموقف فحسب، بل بتفكيك المنطق الذي يجعل الفخ يبدو خياراً معقولاً. لأن السجن الأخطر ليس ذلك الذي تُحبس فيه قسراً، بل ذلك الذي تدخله باختيارك وأنت مقتنع أنك حر. فحين يعرض عليك أحد خيارين، السؤال الأول الذي يجب أن تطرحه ليس أيهما أفضل، بل من الذي يستفيد إذا اخترت أياً منهما؟



