
تأخرنا عن كل شيء، فوجدنا أنفسنا
تأخرنا، نعم.
لكن ليس لأننا تائهون، بل لأننا كنا نبحث عن الطريق الذي يُشبهنا.
لم نتأخر ضعفًا، ولا تباطؤًا، بل لأننا رفضنا أن نُصنَّف ضمن جدول حياةٍ لم نختره، ولا نؤمن به.
لم نركض حين ركضوا، ولم نحتفل حين صفقوا.
لم نخشَ أن نكون آخر من يصل، لأننا كنا ندرك أن الوصول الحقيقي لا يُقاس بالوقت بل بالصدق.
تأخرنا عن خطط لم نكتبها، عن توقيت لم نضعه،
عن خريطة محفوظة تبدأ من مقعد دراسي وتنتهي بصورة نمطية على جدار صالون اجتماعي.
كنا نقرأ، نلتفت، نتريّث لأننا نعرف أن الضجيج لا يعني الحركة، وأن كثرة الخطى لا تعني التقدم.
قالوا عنا متأخرين:
لكنهم لم يروا أننا نكتشف، لا نؤدي.
نفكر، لا نكرر.
نسأل، لا نُساير.
وأن التأخير بالنسبة لنا لم يكن خسارة، بل مساحة لفرز ما نريده فعلاً، من كل ما تم تلقينه.
في تأخرنا نضجنا بصمت،وامتلأنا بما لا يُرى على السير الذاتية، ولا يُقاس في المواعيد النهائية.
حملنا قلوبًا أخفّ، وخيارات أنقى، وخطى لا تتعثر لأنها لم تُجبر على الركض.
نحن الذين تأخرنا،لكن حين وصلنا، لم نصل وحدنا.
وصلنا ومعنا أنفسنا، كاملة، بلا شروخ سباق ولا ندوب إثبات.
تأخرنا عن “الصورة الجاهزة”، فصنعنا صورتنا.
تأخرنا عن الصفوف الأولى، لكننا جلسنا حيث نسمع الحياة بوضوح.
تأخرنا، فوجدنا ما لا يجده العابرون بسرعة أنفسنا.
فلا تسأل عن ساعة الوصول،اسأل عن الوزن الذي حملته روحك وأنت تمشي.
نحن تأخرنا، نعم. لكننا لم نُضيّع شيئًا يستحق أن يُؤخذ معنا.



