
“على أعتاب الرحيل” .. بقلم الكاتبه والاعلاميه عبير البلادي
على عتبة الرحيل لا شيء يبدو كما كان هناك يقف القلب خاشعا كأنه يصلي لصمت لا يكسر و لوداع لا يقال
على عتبة الرحيل لحظات يقف الانسان فيها على حافة بين الحضور والغياب، بين ما اعتاد وما سيترك.
هناك تغدو الأنفاس أثقل من أن تلفظ و أخف من أن تمسك .
ولعلّ أشدّ هذه اللحظات وطأة، هي لحظة الرحيل… و اصعبه حين لا يسبقه تمهيد و لا تلحقه عوده .
ذلك الوداع الصامت الذي يسرق منّا الكثير دون أن يُشعرنا و كأن الزمن به يطوي جناحيه و يركع احتراما لحرقة لا ترى و دمعة تختبيء خلف رمش متماسك.
على أعتاب الرحيل، تتكلم القلوب بما عجزت عنه الألسن، وتتكاثف الذكريات حولنا كأنها لا تريد أن تتركنا وحدنا في تلك اللحظة.
الرحيل ليس مجرد خطوة إلى الخلف ولا قرارًا نختاره بملء إرادتنا بل هو موج جارف يأخذنا فيغمرنا بالحنين قبل أن يُلقي بنا على شواطئ لم نألفها.
في تلك اللحظة كلّ شيء يبدو مختلفًا. الأصوات تصبح أصداء ، الأماكن تفقد دفئها والوجوه التي ألفناها تتحوّل إلى صور في اطار لذاكرة القلب.
الرحيل لا يقتصر على الأجساد فكم من أرواحٍ رحلت وهي ما تزال باقية أمامنا تبتسم كأنها لم تجرح تصمت كأنها لم تُخذل.
وعلى أعتابه تتكثف الأسئلة: هل قلنا ما يكفي؟ هل اعتذرنا كما ينبغي؟ هل احتضنّا اللحظة الأخيرة كما لو كانت أبديّة؟
تغمرنا الذكريات فجأة تنهال بتفاصيل صغيرة: نبرة صوت، ضحكة مشتركة، نظرة عابرة… فنكتشف كم كنّا أغنياء بما نملك سعداء بما نشعر وكم نحن فقراء بعد أن نُفجع بفقده.
الرحيل أيضًا يفتح أعيننا… فنتعلّم أنّ بعض الفصول لا تُعاد وأنّ نحب بعمق رغم العناء و أن نقول أحبك قبل فوات الأوان و أن نحتضن مشاعرنا بسعادة و اقتناع و في قناعة معاكسه يعلمنا أن الرحيل لا بستأذن و لا يمهل و لا يرحل و أن كل شيء زائل و كل وداع احتمال .
على أعتاب الرحيل لا نكون كما كنّا. نخرج من تلك اللحظة ونحن نحمل شيئًا من الحكمة و شيئًا من الانكسار و كثيرًا من الحنين.
ولعلّ في كلّ رحيل درس خفيّ: أن نُحبّ بصدق وأن نعانق من نحبّ أكثر، وأن نمنح لكل وداعٍ لُطف اللقاء الأخير.
فليس الرحيل نهاية بل هو بداية لنضجٍ آخر… نضج يعلّمنا كيف نُقدّر اللحظة، وكيف نُحبّ الحياة، وإن كانت تُصرّ على أن تأخذ منّا من نُحبّ.
سأرحل و الحنين يلف قلبي
كأني لم أخلق الإ لأودع



