مقالات

“أثمن ما لا يُشترى”…. بقلم الكاتبه والاعلاميه موضي بنت سليمان

ليس أفقر الناس من ضاقت به الدنيا، ولا من قلّ ما في يده؛ فالأرزاق دول، وما تعسره الأيام قد ييسره الله غدًا. إنما الفقر الذي يستحق أن يُخشى هو أن يملك الإنسان كل أسباب الحياة، ثم لا يجد في داخله ما يجعله جديرًا بها.

هناك فقرٌ لا يظهر على الوجه، ولا تُحصيه الأرقام، ولا تستر عورته الثياب والمناصب. هو أن يجفّ في القلب معين الإيمان، وأن يصبح الضمير ضعيفًا أمام الشهوة والمصلحة، وأن يفقد الإنسان قدرته على أن يكون رحيمًا حين يستطيع القسوة، وعادلًا حين تميل الكفة لصالحه، وصادقًا حين يكون الكذب أقرب إلى نجاته.

فالإنسان لا تُقاس قيمته بما جمع، وإنما بما بقي منه حين يُختبر. والخُلُق ليس هيئةً يتزين بها المرء أمام الناس، بل هو حقيقته حين تغيب العيون، وحين يغضب، وحين يملك القدرة على الرد، وحين تكون مصلحته في غير الحق.

ومن هنا تتجلى عظمة الخُلُق في ميزان الدين؛ فقد أثنى الله سبحانه على نبيه ﷺ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. إنها شهادة تختصر مقامًا عظيمًا: أن الأخلاق ليست هامشًا في حياة المؤمن، بل من أوضح آثار الإيمان وأصدق علاماته.

فلا يستقيم أن يطيل الإنسان وقوفه بين يدي الله، ثم يخرج إلى خلقه بقلبٍ قاسٍ، ولسانٍ جارح، ويدٍ لا تتورع عن الأذى. ولا أن يكثر من الحديث عن الصلاح، بينما أقرب الناس إليه يتجرعون مرارة طباعه. فالعبادة التي لا تُصلح صاحبها من الداخل، ولا تجعله ألين قلبًا وأعدل سلوكًا، لم تبلغ بعد غايتها في نفسه.

إن الله لا ينظر إلى كثرة ما نُظهر بقدر ما يعلم حقيقة ما نُخفي. وقد يستطيع الإنسان أن يخدع الناس بمظهره، لكنه لا يستطيع أن يخدع المواقف؛ فهي المرآة التي لا تجامل، وفيها يظهر الصدق من الادعاء، والخُلُق من التظاهر.

وقد يخسر المرء مالًا فيسترده، أو منصبًا فيُعوّضه، أو مكانةً فيبني غيرها؛ وقد يعوّضه الله خيرًا مما فقد. لكن حين يخسر أخلاقه، فإنه يهدم شيئًا أعمق من كل ذلك: يهدم الثقة التي بناها، والطمأنينة التي يسكن إليها، والصورة التي يحملها عن نفسه.

لهذا، فإن أعظم ما ينبغي للإنسان أن يبنيه ليس ما يراه الناس فيه، بل ما يبقى منه حين لا يراه أحد. أن يربي قلبًا لا يظلم، ولسانًا لا يؤذي، ونفسًا تعرف أن القوة ليست في القدرة على البطش، وإنما في القدرة على ضبطها.

فاحذر فقر الأخلاق؛ فالفقر المادي قد تُغنيه الأيام، أما فقر الروح فلا تستره وفرة، ولا ترفعه مكانة. وما أثقل أن يملك الإنسان الدنيا، ثم يأتي يومٌ لا يملك فيه شيئًا من الخُلُق الذي يليق بإنسانيته.

فالأخلاق هي الثروة التي لا تُشترى، والقيمة التي لا تُقاس، والأثر الذي يبقى حين تزول الأشياء. وما أجمل أن يرحل الإنسان من الدنيا وقد لا يملك كل ما أراد، لكنه ترك خلفه قلبًا لم يؤذِ، ونفسًا لم تظلم، وكلمةً طيبةً بقيت في ذاكرة من عرفه.

وتلك هي الثروة الحقيقية: أن تملك من الأخلاق ما لا تستطيع الدنيا شراءه، ولا تستطيع الأيام انتزاعه منك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى