مقالات

عزّنا بطبعنا و علم نفس يفهمنا .. بقلم الكاتب الدكتور محمد الصالح

مع اقتراب اليوم الوطني السعودي، لا نحتفل بوطن وحد حدوده الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه فحسب، بل نحتفل أيضاً بهوية تشكلت عبر أجيال، وبإنسان سعودي يحمل في داخله منظومة من القيم والمعاني التي صنعت شخصيته وطريقة تفكيره وشعوره وتعامله مع الحياة.
ولعل شعار اليوم الوطني لهذا العام ( عزّنا بطبعنا ) يحمل معنى نفسياً عميقاً فالأوطان لا تتميز فقط بجغرافيتها وأقتصادها ومبانيها، وإنما أيضاً بطباع أبنائها، وبالطريقة التي يفهمون بها أنفسهم والآخرين والعالم من حولهم،
ومن هنا تأتي أهمية علم النفس العربي السعودي، فعلم النفس الذي ندرسه اليوم قدم للإنسانية معرفة هائلة في فهم النفس والسلوك والاضطرابات والعلاج، إلا أن جزءاً كبيراً من نظرياته ومقاييسه ونماذجه العلاجية نشأ في بيئات إجتماعية وثقافية تختلف عن البيئة السعودية، وهذا لا يعني رفض علم النفس العالمي، بل يعني أستكماله بسؤال مهم:
كيف يفكر الإنسان السعودي من داخل ثقافته وهويته؟
فالإنسان لا يعيش منفصلًا عن مجتمعه، وما يُعد مصدراً للضغط النفسي في ثقافة ما قد لا يحمل الوزن نفسه في ثقافة أخرى، وما يمثل نجاحاً أو فشلاً أو قبولاً أو رفضاً لدى فرد في مجتمع ما قد يحمل دلالة مختلفة لدى السعودي.

في مجتمعنا، هناك مفاهيم لها حضور نفسي بالغ: الأسرة، والدين، والسمعة، والكرامة، والهيبة، والعيب، والإنتماء، والواجب، وصلة الرحم، والمكانة الإجتماعية، وهذه ليست مجرد مفردات إجتماعية، بل قوى قد تؤثر في القرار والعاطفة والعلاقات والشعور بالنجاح والفشل وحتى في الطريقة التي يعبّر بها الإنسان عن ألمه.
قد يعاني السعودي نفسياً ولا يقول: ( أنا مكتئب )، لكنه ينسحب من مجالسه.
وقد يتألم ولا يبكي، لأنه تعلم أن التماسك جزء من صورته أمام الآخرين.
وقد يختار قراراً لا يحقق رغبته الفردية، لكنه يحفظ أسرته أو مكانته أو سمعته.
وقد يتحمل ضغطاً هائلاً لأن مفهوم الواجب لديه يتقدم على مفهوم الراحة الشخصية.
وهنا تحديداً نحتاج إلى علم نفس لا ينظر إلى هذه السلوكيات من الخارج فقط، بل يحاول فهم المنظومة النفسية والثقافية التي أنتجتها.
إن علم النفس العربي السعودي الذي ندعو إليه لا ينبغي أن يكون مجموعة إنطباعات عن المجتمع، ولا خطاباً يحتفي بالخصوصية دون دليل، بل مشروعاً علمياً يقوم على الدراسات الميدانية، وبناء المقاييس، وأختبار الفرضيات، ومقارنة النتائج، ونشر الأبحاث المحكمة.

نريد أن نعرف علميًا: كيف تؤثر السمعة في الصحة النفسية؟ وكيف تؤثر العلاقات الأسرية الممتدة في القرارات؟ ومتى تكون الهيبة مصدر قوة ومتى تتحول إلى ضغط؟ وكيف يعمل مفهوم ( العيب ) كآلية للضبط الاجتماعي؟ وكيف يتفاعل التدين والإنتماء والكرامة والواجب مع القلق والاكتئاب والرضا عن الحياة؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً، فالإجابة عنها قد تساعد مستقبلاً في بناء أدوات تقييم وتدخلات نفسية أكثر حساسية للسياق السعودي.
والأهمية تتضاعف اليوم لأن السعودية نفسها تتغير بسرعة،
فالتحولات الأقتصادية والإجتماعية والثقافية التي تعيشها المملكة تخلق أمام الإنسان السعودي فرصاً هائلة، لكنها تضعه أيضاً أمام أسئلة نفسية جديدة: كيف يحافظ على هويته وهو ينفتح على العالم؟ كيف يوازن بين الفرد والأسرة؟ بين الطموح والرضا؟ بين الأصالة والتحديث؟ وبين ما ورثه من الأجيال السابقة وما تتطلبه الحياة الجديدة؟
إن التنمية لا تحتاج إلى الإنسان المتعلم والمنتج فحسب، بل تحتاج كذلك إلى الإنسان المتزن نفسياً، الواثق بهويته، القادر على التكيف دون أن يفقد ذاته.
ولهذا فإن دراسة النفس السعودية يمكن أن تكون جزءاً من مشروع أوسع لفهم الإنسان السعودي في زمن التحول.
لقد أهتمت رؤية السعودية 2030 بتعزيز القيم الوطنية، وهو توجه يؤكد أن التنمية ليست أبراجاً ومشاريع وأرقاماً أقتصادية فقط، وإنما بناء للإنسان أيضاً، وإذا كنا ندرس تاريخنا وآثارنا ولهجاتنا وفنوننا وتراثنا الإجتماعي، فمن المشروع لنا أن نسأل علمياً كذلك:
أين دراسة نفس الإنسان الذي صنع كل ذلك؟
اليوم الوطني فرصة للأحتفاء بما أنجزناه، ولكنه أيضاً فرصة للتفكير فيما نريد أن نبنيه.
وربما يكون من بين المشاريع التي تستحق أن تولد في هذه المرحلة مشروع علمي سعودي يسعى إلى فهم الإنسان من داخل بيئته، لا ليعزله عن علم النفس العالمي، وإنما ليضيف التجربة السعودية إليه.

نريد علماً يفهم لماذا قد يكون فقدان المكانة عند شخص أشد ألماً من فقدان المال، ولماذا تكون الأسرة عند آخر مصدر حماية وضغط في الوقت نفسه، ولماذا يصمت إنسان ليس لأنه لا يشعر، بل لأن ثقافته علمته أن بعض المشاعر تُحمل ولا تُقال.
نريد علمًا يدرس السعودي كما هو، لا كما يُفترض أن يكون.
وفي يوم الوطن، حين نقول ( عزّنا بطبعنا ) فإن من أجمل صور الاعتزاز بطباعنا ألا نكتفي بالأحتفاء بها، بل أن ندرسها ونفهمها ونحول معرفتنا بها إلى علم يساعد الإنسان السعودي على أن يعيش حياة أكثر أتزاناً ووعياً وطمأنينة،
فالوطن الذي يعرف أرضه وتاريخه يعرف ماضيه،
والوطن الذي يعرف نفس إنسانه يعرف مستقبله بلا شك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى