
بين بوصلة القائد ولسان الناقد – اين تتجه القيادة !؟ للكاتب -د/ سعود السحيمي
الإدارة والقيادة لا تبنى على المراوغة. ولا تدار بالنفاق ولا تنتصر بالتدليس ولا تحتاج إلى الكذب كي تحافظ على هيبتها.
القيادة الحقيقية أبعد من ذلك بكثير.
إنها صدق في القول وعدل في الحكم، ووضوح في القرار ومسؤولية في الفعل واحترام للإنسان وانحياز للهدف لا للأشخاص.
بعض القيادات حين تعجز عن صناعة الإنجاز. تبدأ بصناعة الخصوم. وحين تضيق بها مساحة العمل. توسّع مساحة الحديث عن الآخرين.
فتتحول الاجتماعات من ساحات لصناعة الحلول إلى منصات لتوزيع الاتهامات. ويتحول اللسان من أداة للتوجيه إلى سيف مسلول على رقاب الفريق.
والمؤلم أن بعضهم يظن أن ارتفاع الصوت قوة. وأن كثرة الحديث عن الآخرين هيبة. وأن كشف أخطائهم انتصار. وأن إسقاطهم أمام الناس يثبت مكانته.
وما علم أن القائد الذي يحتاج إلى هدم الآخرين كي يبدو مرتفعا. لم يرتفع أصلا انما كشف عن قصر قامته.
القيادة ليست أن تراقب من خلفك لتبحث عمن تخطئه. انما أن تنظر أمامك لتعرف إلى أين تمضي.
وليست أن تسأل: من المخطئ؟ ثم تبحث عن شخص تعلق عليه الفشل.
بل أن تسأل: ما الذي حدث؟ وكيف نصلحه؟ وماذا تعلمنا؟ وكيف نحقق الهدف؟
هناك فرق شاسع بين قائد يدير منظومة وقائد يدير معركة شخصية داخل المنظومة. الأول يحمي الهدف من الأشخاص والثاني يحمي نفسه من الأشخاص. الأول يبني فريقا. والثاني يبني دائرة من المصفقين. الأول إذا أخطأ اعتذر. والثاني إذا أخطأ بحث عن متهم.
الأول يجعل الناس أكثر قدرة. والثاني يجعلهم أكثر خوفا.
وهنا تسقط الأقنعة. فلا المراوغة إدارة. ولا النفاق قيادة. ولا التدليس ذكاء. ولا الكذب حنكة ولا تسليط اللسان شجاعة.
القيادة أخلاق قبل أن تكون مهارة. ووعي قبل أن تكون سلطة وأثر قبل أن تكون منصبا.إن أعظم اختبار للقائد ليس كيف يتحدث عن من يحب. وإنما كيف يتعامل مع من يختلف معه.
فإذا اختلفت معه فحفظ لك كرامتك فهو قائد. وإذا أخطأت فصحح لك دون أن يكسرَك فهو قائد. وإذا نجحت ولم ينسب نجاحك لنفسه فهو قائد. وإذا تعثرت ولم يبحث عن شمّاعة فهو قائد.
أما الذي يوجه لسانه نحو الأشخاص بدل أن يوجه بوصلة العمل نحو الأهداف. فهو لا يقود المنظومة إنما يقودها إلى نفسها.
والمنظومات لا تسقط دائما بسبب ضعف الكفاءات. انما قد تسقط حين يصبح الكلام عن الناس أهم من العمل معهم. وحين يصبح الانتصار على الزميل أهم من الانتصار للمؤسسة.
فيا أيها المدير ويا أيها القائد: لا تجعل لسانك أكبر من هدفك. ولا تجعل خصومتك أكبر من رسالتك. ولاتجعل غرورك اكبر من مؤسستك. فالمنصب كرسي والكرسي لا يصنع قائدا. واللسان صوت والصوت لا يصنع إنجازا. والسلطة صلاحية والصلاحية لا تصنع احتراما.
الذي يصنع القائد حقا هو أن يدخل المكان فيضيف إليه. ويخرج منه فيترك وراءه إنسانا أفضل وفريقا أقوى وهدفا أقرب وأثرا لا يحتاج إلى شهادة من أحد.
فالإدارة تقاس بما أنجزت. والقيادة تقاس بما أثرت. والقائد الحقيقي لا يرفع لسانه على الآخرين انما يرفع مستوى الآخرين.
فعندما يسقط المنصب يبقى السؤال: ماذا صنعت بمن كنت قائدهم؟ هناك فقط يسقط القناع ويبقى القائد.
✍️
سعود



