
بين يقينك وظنونهم ….. من يملك تعريف …. بقلم الكاتبة والإعلامية أمل المعلوي
نعيش بين الناس، ولذلك من الطبيعي أن نسمع آراءهم فينا؛ منهم من يمدح، ومنهم من ينتقد، ومنهم من يكوّن عنّا انطباعًا قد يكون قريبًا من الحقيقة أو بعيدًا عنها. لكن المشكلة لا تبدأ عندما يتحدث الآخرون عنا، بل عندما نسمح لما يقولونه أن يصبح هو المصدر الذي نعرّف من خلاله أنفسنا.
ولو تأملنا الأمر ببساطة، لوجدنا أن كل إنسان يرى الآخرين من زاويته الخاصة، بما يحمله من تجارب ومشاعر وتوقعات وقناعات. لذلك فإن ما يراه فينا ليس بالضرورة الحقيقة كاملة، وإنما جزء من الصورة كما ظهرت له. وهذا ينطبق علينا أيضًا؛ فنحن حين نحكم على الآخرين لا نمتلك حقيقتهم كاملة، وإنما نرى ما أتيح لنا أن نراه.
لهذا فإن هناك فرقًا مهمًا بين ما نعرفه عن أنفسنا وما يظنه الآخرون عنا. معرفتك بذاتك، بدوافعك، بنواياك، بقدراتك، وبالأخطاء التي تعترف بها وتسعى إلى إصلاحها، أقرب إلى اليقين من انطباع شخص عنك في موقف واحد. أما رأي الآخر، مهما كان صادقًا، فيبقى رأيًا قابلًا للصواب والخطأ.
وهذا لا يعني أن نتجاهل آراء الناس أو نرفض النقد. على العكس، قد يأتيك شخص ويرى فيك أمرًا لم تنتبه إليه، وقد يكون انتقاده فرصة حقيقية للمراجعة والتطور. لكن الفرق بين الوعي والاضطراب هو أن تستقبل الرأي باعتباره فائدة محتملة لا حقيقة ملزمة.
إن مدحوك، فاستمع إلى المديح دون أن تجعله أساس قيمتك؛ فأنت تعرف نفسك أكثر منهم. وإن انتقدوك، استمع أيضًا، وابحث عما يمكن أن تتعلمه، لكن لا تسمح لكلمة عابرة أن تهدم يقينك بذاتك.
فليست الحكمة أن نصدق الناس دائمًا، ولا أن نكذبهم دائمًا، وإنما أن نضع كل رأي في مكانه الصحيح.
نحن جميعًا بشر، نخطئ في الفهم، ونصيب، ونرى الأشياء من زوايا مختلفة. ولذلك لا ينبغي أن نمنح إنسانًا واحدًا سلطة تحديد حقيقتنا، كما لا ينبغي أن نجعل رأيًا واحدًا قادرًا على تغيير نظرتنا لأنفسنا.
والاتزان هنا ليس موقفًا عابرًا، بل طريقة نعيش بها؛ أن نسمع دون أن نتأثر بكل شيء، وأن نراجع أنفسنا دون أن نظلمها، وأن نقبل النصيحة دون أن نفقد ثقتنا، وأن نرفض ما لا يمثلنا دون غرور.
في النهاية، ليست كل كلمة تُقال عنك تستحق أن تسكن داخلك. خذ من آراء الآخرين ما يضيف إلى وعيك، واترك ما لا يتجاوز كونه انطباعًا أو حكمًا ناقصًا.



