
ندوة ثقافية تبحث في دور الثقافة في صناعة الفكر الإبداعي وتعزيز حضور المبدع
في جازان، حيث لا تزال الكلمة تجد لها موضعًا بين الجبل والبحر، وحيث تتوارث الأجيال حب الشعر والفن والمعرفة كما تتوارث الأرض خصوبتها، كان للثقافة مساءٌ آخر؛ مساءٌ اجتمع فيه الفكر والإبداع حول سؤالٍ يتجاوز حدود الندوة إلى جوهر الحياة: كيف تستطيع الثقافة أن تصنع عقلًا مبدعًا، وإنسانًا قادرًا على صناعة الأثر؟
وفي هذا السياق، أقامت الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بجازان، بالتعاون مع نادي ملتقى المبدعين الثقافي وفندق نوفوتيل جازان، مساء الأحد 30 أغسطس 2026م، الندوة الحوارية الثقافية بعنوان «إسهام الثقافة في صناعة الفكر الإبداعي»، بمشاركة نخبة من المثقفين والمبدعين، وذلك في فندق نوفوتيل جازان.
وشارك في الندوة الدكتور علي خواجي، والأستاذ جماح دغريري، والأستاذ هادي شراحيلي، فيما أدار الحوار الأستاذ نبيل غاوي، في لقاءٍ اتسعت فيه مساحة السؤال، وتعددت فيه زوايا النظر إلى الثقافة باعتبارها أحد أهم روافد بناء الإنسان، وصناعة الوعي، وإطلاق الطاقات الإبداعية.
وتناولت الندوة جملة من المحاور التي ناقشت دور الثقافة في تنمية الفكر الإبداعي، وتعزيز الابتكار، وإثراء المشهد الثقافي والفني، إلى جانب أهمية تبادل الخبرات والتجارب بين المثقفين والمبدعين، ودور المؤسسات الثقافية في توفير البيئة المحفزة للمواهب، وتمكينها من الانتقال من حدود الموهبة الفردية إلى فضاء الإنجاز والأثر.
وأكد المشاركون أن الإبداع لا يولد في الفراغ؛ وإنما ينبت في أرضٍ خصبة من المعرفة والقراءة والحوار والتجربة، وأن الثقافة حين تتحول إلى ممارسة يومية ووعي متجدد، فإنها تمنح الإنسان قدرةً أكبر على رؤية الأشياء من زوايا مختلفة، وعلى تجاوز المألوف، وإنتاج الأفكار التي يمكن أن تتحول إلى مبادرات ومشروعات ومنجزات.
الثقافة.. ذاكرةٌ للماضي وبوصلةٌ للمستقبل
وفي قراءة أعمق لمفهوم الثقافة، أكدت الندوة أن الثقافة لا ينبغي أن تُختزل في الفعاليات والمناسبات، فهي أوسع من منصةٍ أو كتاب، وأبقى من أمسيةٍ أو معرض؛ إنها ذاكرة المجتمع وضميره، والمرآة التي يرى فيها الإنسان صورته، والبوصلة التي تهديه حين تتعدد الطرق.
ومن هنا، فإن رعاية المبدع ليست احتفاءً بشخصه فحسب، وإنما استثمار في مستقبل المجتمع؛ لأن الفكرة التي تولد في عقل شاب اليوم قد تصبح غدًا مشروعًا معرفيًا أو فنيًا أو أدبيًا يترك أثره في حياة الآخرين.
وأشارت الندوة إلى أهمية تعزيز الشراكة بين المؤسسات الثقافية والمبدعين، وتوسيع مساحات الحوار والتجريب، واحتضان المواهب الواعدة، بما يسهم في بناء منظومة ثقافية أكثر قدرة على اكتشاف الطاقات وتطويرها، وتحويل الإبداع الفردي إلى قيمة مجتمعية مستدامة.
جازان.. أرضٌ تعرف كيف تحفظ للكلمة مقامها
وتأتي هذه الندوة في منطقةٍ تمتلك رصيدًا عميقًا من الثقافة والتراث والفنون، وتزخر بالمواهب والأسماء التي أسهمت في إثراء المشهد الثقافي السعودي؛ لتؤكد أن جازان ليست مجرد مكانٍ يحتضن الثقافة، بل بيئةٌ صنعت عبر تاريخها علاقة خاصة مع الكلمة والفن والتراث.
ففي هذه الأرض التي يجاور فيها البحرُ الجبل، وتصافح فيها النخلةُ الموج، تبدو الثقافة امتدادًا طبيعيًا لذاكرة المكان؛ وكلما أتيح للمبدع أن يتحدث، وللفكرة أن تُناقش، وللموهبة أن تجد من يرعاها، اتسعت جازان في عيون أبنائها، واتسع حضورها في المشهد الثقافي الوطني.
حين يصبح الحوار بدايةً للأثر
ولم تكن الندوة مجرد لقاءٍ عابر، بل جاءت بوصفها مساحةً للحوار وتبادل الرؤى والخبرات، وإعادة طرح السؤال حول مسؤولية الثقافة في زمنٍ تتسارع فيه المعرفة، وتتغير فيه أدوات التعبير، وتصبح الحاجة إلى العقل المبدع أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
واختتمت الندوة بالتأكيد على أهمية مواصلة إقامة اللقاءات الثقافية والفكرية التي تجمع المثقفين والمبدعين، وتفتح أمامهم آفاقًا جديدة للحوار والتعاون، بما يسهم في دعم المواهب، وتعزيز الابتكار، وإثراء المشهد الثقافي والفني، وصناعة أثرٍ مستدام يواكب ما تشهده المملكة من حراك ثقافي وتنموي متسارع.
وفي نهاية المساء، بدا أن السؤال الذي حملته الندوة لم يكن بحاجة إلى إجابة واحدة؛ فالثقافة لا تعطي أجوبتها دفعةً واحدة، وإنما تزرع الأسئلة في العقول، ثم تترك للزمن مهمة إنضاجها.
فإذا كانت الأمم تُقاس بما تملك من ثروات، فإنها تُخلَّد بما تتركه من أفكار؛ وإذا كان الإبداع لحظةً يولد فيها الضوء، فإن الثقافة هي السماء التي تحفظ لذلك الضوء أن يظل مشتعلاً.
وهكذا مضى مساء جازان الثقافي، لا كما تمضي الأمسيات حين تنفضُّ مجالسها، وإنما كما تمضي الكلمة الجميلة: تغادر







