
صالح آل ربيعان .. رجلٌ رحل وبقيت حكمته بين الناس بقلم الاعلامي مبارك بن عوض الدوسر
ليس كل رحيل يشبه الآخر، فبعض الناس إذا غابوا شعر المكان بفراغهم، وأحسّت المجالس بأن شيئاً من دفئها قد انطفأ، وتوقفت الذاكرة طويلاً أمام مواقفهم وكلماتهم وابتساماتهم؛ ومن هؤلاء الرجال الذين يصعب أن يمر خبر رحيلهم عابراً، الأديب والمربي والشاعر والحكيم، ابن محافظة وادي الدواسر، الأستاذ صالح بن عبدالله بن محمد آل ربيعان، الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى بعد رحلة مع المرض، تاركاً خلفه سيرة عطرة ومحبة واسعة في قلوب أهله وأصدقائه وطلابه وكل من عرفه وجالسه.
رحل أبو عبدالله، رحمه الله، ولكن الرجال الذين عاشوا حياة طيبة لا يرحلون تماماً؛ لأن أجسادهم وحدها تغيب، أما سيرتهم فتبقى، وكلماتهم تظل حاضرة، ومواقفهم الجميلة تعيش في ذاكرة الناس، وكل أثر طيب صنعوه في حياتهم يتحول بعد رحيلهم إلى شاهدٍ صامت على أنهم كانوا هنا يوماً، وأن وجودهم لم يكن عابراً.
كان صالح آل ربيعان شخصية اجتماعية محبوبة، يمتلك حضوراً خاصاً لا يحتاج إلى مقدمات، وكاريزما لا تصنعها المناصب ولا تمنحها الألقاب؛ فإذا حضر مجلساً كان له حضوره، وإذا بدأ الحديث أنصت إليه الجميع، ليس لأنه كان كثير الكلام، بل لأن لكلماته معنى، ولحديثه قيمة، ولرأيه وزناً.
كان ممن حباه الله بالحكمة ورجاحة العقل وحسن التدبر، وهي صفات لا تُكتسب كلها من الكتب، وإنما تصنعها الحياة والتجارب وصدق الإنسان مع نفسه ومع الآخرين؛ كما كان يتأمل قبل أن يحكم، ويفكر قبل أن يتحدث، ويعرف أن للكلمة مسؤولية، وأن العقل لا يقاس بكثرة ما نقول، بل بقدرتنا على اختيار ما ينبغي أن يقال.
وفي زمنٍ أصبح فيه كثير من الناس يتحدثون أكثر مما ينصتون، ويجادلون من أجل الجدال، كان رحمه الله مختلفاً؛ فكان يجيد فن الحوار، ويحسن الاستماع كما يحسن الحديث، ويعرف أن الحوار الحقيقي ليس ساحةً للانتصار للنفس، وإنما طريق للوصول إلى الحقيقة أو تقريب وجهات النظر.
وكان، رحمه الله، يكره الجدال العقيم، ذلك الجدال الذي يبدأ بلا هدف وينتهي بلا نتيجة، ويستهلك الوقت والجهد ولا يترك في النفوس إلا التعب؛ ولذلك لم يكن يخوض في كل نقاش، ولم يكن يرى ضرورةً للحديث في كل مسألة، فإذا رأى أن الحوار لن يثمر، وأن الآراء قد وصلت إلى طريق مسدود، آثر الصمت والانسحاب بأدب.
وهنا تكمن حكمة الرجل؛ فليس من الحكمة أن يكون للإنسان جواب عن كل شيء، وليس من القوة أن يصر على الاستمرار في كل جدال، وإنما القوة الحقيقية أن يعرف متى يتحدث ومتى يصمت، ومتى يناقش ومتى يترك الأمر، ومتى تكون الكلمة نافعة ومتى يصبح الصمت أكثر حكمة؛ كما كان التعليم واحداً من أهم ميادين حياته التي ترك فيها أثراً لا يمحوه الزمن؛ فقد عرفه طلابه معلماً متمكناً من مادته، قادراً على إيصالها، محباً لرسالته، مؤمناً بأن المعلم لا يؤدي وظيفة عابرة، وإنما يحمل رسالة عظيمة في بناء الإنسان؛ ولذلك لم يكن غريباً أن يحظى بمحبة طلابه، فالمعلم الذي يجمع بين العلم وحسن الخلق يجد طريقه إلى القلوب قبل أن يجد طريقه إلى العقول؛ والطلاب، وإن نسوا بعد سنوات كثيراً من الدروس والكتب، فإنهم لا ينسون معلماً أحسن إليهم، واحترم عقولهم، وأخلص في تعليمهم، وترك في نفوسهم أثراً طيباً.
لقد كان صالح آل ربيعان، رحمه الله، معلماً بالمعنى الجميل للكلمة، ومربياً قبل أن يكون ناقلاً للمعلومات، يؤمن بأن التربية جزء من التعليم، وأن بناء الأخلاق لا يقل أهمية عن بناء المعرفة؛ ولهذا بقيت صورته الجميلة في ذاكرة كثير ممن درسوا على يديه وعرفوا فيه الإنسان قبل المعلم.
أما الشعر، فقد كان نافذة أخرى أطل منها على الناس؛ فقد منحه الله موهبة شعرية اتسمت بالحكمة، وكانت قصائده تحمل المعنى الجميل والتوجيه إلى الخير؛ ولم يكن الشعر عنده مجرد كلمات موزونة أو بحث عن إعجاب، بل كان امتداداً لشخصيته، يترجم ما يؤمن به من قيم، ويعبر عن تجربة إنسان عاش الحياة بعين المتأمل وعقل الحكيم.
كانت الحكمة تسكن شعره كما تسكن حديثه، لأن الشاعر الحقيقي لا يستطيع أن يفصل بين ما يكتبه وما يحمله في داخله؛ ولذلك جاءت كلماته قريبة من الناس، تحمل المعنى والتوجيه، وتذكر بالخير، وتدعوا إلى الفضيلة، وتكشف عن شخصية أديب أدرك قيمة الكلمة وأمانتها؛ وما أجمل أن يجتمع في الإنسان الأدب والشعر والتعليم والحكمة، ثم يضيف إليها التواضع وحسن المعاشرة والمحبة الصادقة للناس؛ فتلك الخصال هي التي تصنع مكانة الإنسان الحقيقية، وهي التي تجعل فقده مؤلماً، وتجعل الدعاء له بعد رحيله واجباً من واجبات المحبة والوفاء؛ ولعل المشهد الذي شهده يوم تشييعه كان واحداً من أصدق الشهادات على مكانته؛ فقد شهد جنازته جمع غفير من المصلين الذين جاؤوا ليودعوا رجلاً عرفوه وأحبوه، وليؤدوا حق الأخوة والمحبة، وليرفعوا أكف الدعاء إلى الله أن يتغمده بواسع رحمته.. وما أعظم أن يرحل الإنسان وقد اجتمع الناس على الدعاء له، وتحدثوا عن محاسنه، واستعادوا مواقفه الجميلة، وشعروا أن برحيله فقدوا شيئاً من ذاكرتهم المشتركة.
إن المحبة التي يحصدها الإنسان بعد رحيله لا تُشترى، ولا تصنعها الشهرة، وإنما هي ثمرة أعوام طويلة من حسن التعامل، وطيب المعشر، واحترام الناس، والصدق معهم، وترك الأثر الحسن في حياتهم؛ وقد كان أبو عبدالله، رحمه الله، ممن رزقهم الله هذه المحبة، فكانت قلوب الناس خير شاهد على مكانته.
لقد ابتلاه الله في أيامه الأخيرة بالمرض، ونسأل الله أن يجعل ما أصابه رفعةً في درجاته، وتكفيراً لذنوبه، وزيادةً في حسناته، وأن يكون ما صبر عليه من ألمٍ وتعبٍ باباً من أبواب الرحمة التي يلقى بها ربه.
فالمؤمن يعلم أن الدنيا دار عبور، وأن الإنسان مهما طال به العمر لا بد أن يصل إلى تلك اللحظة التي يودع فيها هذه الحياة، ويبقى من بعده عمله وأثره وذكره الحسن؛ وخير ما يتركه الإنسان وراءه أن يترك قلوباً تدعو له، وذكرياتٍ جميلة يتحدث عنها الناس، وسيرةً نقية لا يذكر معها إلا الخير.
ويوم الاثنين 18 ربيع الأول 1448هـ ونحن نودع صالح بن عبدالله بن محمد آل ربيعان، رحمه الله، فإننا لم نكن نودع مجرد شاعر أو معلم أو أديب، بل نودع إنساناً جمع بين هذه الصفات كلها، نودع رجلاً كان للحكمة نصيب كبير في حديثه، وللأدب مكانة في حياته، وللشعر حضور في وجدانه، وللتعليم رسالة آمن بها وأخلص لها.
نودع رجلاً إذا حضر المجلس حضر معه الوقار، وإذا تحدث أنصت له الحاضرون، وإذا حاور احترم الرأي الآخر، وإذا وجد أن الحديث لن يقود إلى فائدة، ابتعد عن الجدل وحفظ للكلمة مكانتها.
رحل الرجل، وبقيت سيرته.
غاب عن المجالس، لكن كلماته ستبقى في ذاكرة من سمعه.
ابتعد عن طلابه، لكن أثر المعلم لا يختفي من نفوس من تعلموا على يديه.
وصمت الشاعر، لكن ما تركه من حكمة ومعنى سيظل شاهداً على موهبته وروحه الجميلة.
رحم الله أبا عبدالله، فقد كان من أولئك الرجال الذين يتركون وراءهم فراغاً لا يمتلئ بسهولة، ليس لأن الناس لا يستطيعون أن يلتقوا بغيرهم، ولكن لأن لكل إنسان مميز مكانه الخاص الذي لا يشبهه فيه أحد.
إلى أبنائه وأسرته وإخوانه وأهله ومحبيه، نقول: أحسن الله عزاءكم، وعظم أجركم، وجبر مصابكم، فما فقدتموه كان أباً وأخاً وقريباً وحبيباً، ولكنه انتقل إلى رحمة ربٍ هو أرحم به من الجميع.
ونسأل الله أن يجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأن يوسع له فيه مد بصره، وأن يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأن يجعل مرضه الذي ابتلاه به رفعةً في درجاته، وأن يجزيه عن علمه وتربيته وأدبه وشعره وكل خير قدمه خير الجزاء.
رحم الله صالح بن عبدالله بن محمد آل ربيعان، الأديب والمؤدب، والشاعر الحكيم، والمعلم المربي، والرجل الذي أحبه الناس، وسيبقى في ذاكرتهم بما تركه من أثر جميل وسيرة عطرة.
رحل الجسد، وبقيت الحكمة. وغاب الرجل، وبقي الأثر.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.



