
“الإنجاز لا يبدأ يوم توقيعك” بقلم الكاتب مبارك بن عوض الدوسري
ثمة مجاملات تبدو في ظاهرها إشادة، لكنها في حقيقتها قد تكون ظلماً صريحاً لمن بذلوا الجهد، وعملوا بصمت، ومهّدوا الطريق حتى وصل المشروع إلى لحظة الإنجاز؛ وما أكثر ما يحدث ذلك في حياتنا العملية؛ يبدأ مشروعاً في عهد مسؤول، وتُستكمل إجراءاته في عهده، ويُعتمد ويُدرج في الخطط والميزانيات، ثم تتأخر بعض ظروف التنفيذ، فيأتي مسؤول جديد، وما إن يبدأ العمل في مشروع أو تُفتح طريق أو تُستكمل معاملة، حتى تتجه الأضواء إليه، وكأن كل ما سبق لم يكن موجوداً؛ والأكثر إيلاماً أن تتحول المجاملة إلى رواية تتناقلها المجالس ووسائل التواصل، فتمنح شخصاً واحداً فضلاً لم يصنعه، وتسقط من المشهد أسماء رجال سبقوه بالعمل والاعتماد والمتابعة، وربما مواطنين لم يتركوا باباً إلا طرقوه، وجهات عملت خلف الكواليس حتى أصبح المشروع واقعاً يراه الناس.
وهنا يحضرني موقف لا يزال عالقاً في الذاكرة لمعالي الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي ـ رحمه الله ـ حين تولى وزارة المياه عام 1423هـ، وبعد مباشرته العمل بأيام وقّع مشروعاً كبيراً للمياه بحضور عدد من الإعلاميين، فبادر أحدهم بالقول إن هذا المشروع يمثل أولى بشائر معاليه؛ وكان بإمكان الوزير أن يبتسم للمجاملة، أو يكتفي بالشكر، أو يترك الانطباع قائماً كما هو، لكنه اختار أن يكون منصفاً قبل أن يكون مسؤولاً، فرد موضحاً أن المشروع كان مدرجاً ضمن مشاريع وزارة المياه قبل انفصالها عن وزارة الكهرباء، وأنه من جهود زملائه في الوزارة الأخرى؛ وقد تبدو تلك الإجابة عابرة في زمن تتسابق فيه بعض الكلمات إلى صناعة البطولات، لكنها في الحقيقة تختصر درساً كبيراً في أخلاقيات المسؤولية: ليس كل إنجاز يبدأ يوم تولي المسؤول لمنصبه، وليس كل ما يُفتتح في عهده هو بالضرورة من صنع يده.
المسؤول النبيل لا يحتاج إلى أن يكبر في أعين الناس بتصغير جهود من سبقوه، ولا يرى في الاعتراف بفضل الآخرين انتقاصاً من مكانته؛ بل إن قيمة المسؤول تظهر حين يستطيع أن يقول أمام الناس: هذا العمل بدأ قبلي، وهذا جهد من سبقني، وهذا الإنجاز شارك فيه زملاء ومواطنون وجهات عدة، ونحن اليوم نكمل ما بدأوه؛
وما أجمل أن يدرك المسؤول الجديد أن المنصب ليس ممحاة تمسح ما قبله، وأن المكتب الذي يجلس خلفه لم يبدأ تاريخه يوم جلس على كرسيه؛ فقبله رجال عملوا، وراجعوا، وخططوا، واعتمدوا، وتابعوا، وربما غادروا مواقعهم قبل أن يروا ثمرة ما زرعوه؛ وقد تكون لحظة ظهور الإنجاز قد جاءت في عهد اللاحق، لكن ذلك لا يمنحه الحق في أن يحتكر الفضل؛ وفي بعض الحالات، يكون الأمر أوضح من ذلك؛ فقد يتعطل مشروع يتبع جهة أخرى، فيبادر مواطنون بمراجعة الجهات المختصة، ويتابعون، ويطالبون، حتى تعود عجلة العمل إلى الدوران؛ ثم يتزامن ذلك مع تعيين مسؤول جديد في الجهة المحلية، فتبدأ عبارات الإشادة والمجاملة، ويُنسب إليه الفضل في عودة المشروع، مع أن المشروع ليس أصلاً من اختصاص جهته، ولم يمض على وجوده في موقعه سوى أيام.
ومثل ذلك ما يحدث كمثال في بعض مشاريع السفلتة؛ تكون الاعتمادات قد صدرت في عهد مسؤول سابق، وتكون الإجراءات قد اكتملت قبل مغادرته، ثم يبدأ التنفيذ بعد وصول المسؤول الجديد، فيُقال إن الطريق جاء بفضل الرئيس الجديد، وكأن الاعتماد والتخطيط والمتابعة التي سبقته لم تكن إلا تفاصيل لا تستحق الذكر.
المشكلة ليست في أن يُشكر المسؤول الجديد على ما قام به فعلاً؛ فهذا حقه، بل المشكلة حين تتحول الإشادة إلى إلغاء للآخرين، وحين تصبح المجاملة وسيلة لإعادة كتابة الحقيقة؛ فالشكر الذي يمنح شخصاً أكثر مما يستحق قد يسلب آخرين حقهم، وربما يقتل في نفوس العاملين قيمة الإخلاص حين يرون أن من يجني ثمار العمل ليس بالضرورة من زرعها.
وليس أجمل من مسؤول إذا ذُكر أمامه إنجاز أن يبحث أولاً عن أصحاب الفضل فيه، وأن يذكر أسماءهم، ويشكر من سبقوه، ويمنح المواطنين الذين تابعوا وراجعوا وطالبوا حقهم من التقدير؛ تلك ليست مجاملة للآخرين، بل هي عدالة في القول، وأمانة في المسؤولية، ورقي في الأخلاق.
لقد اعتدنا أن نصف المسؤول الناجح بأنه صاحب إنجازات كثيرة، لكنني أظن أن من علامات النجاح الحقيقية أن يكون المسؤول أميناً على نسب الإنجاز؛ فلا يسرق جهداً لم يبذله، ولا يسمح لمن حوله أن يسرق جهود الآخرين باسمه، ولا يترك المجاملة تتحول إلى حقيقة مزيفة تتناقلها الألسن.
فالإنجاز العام ليس ملكاً لشخص، وإنما هو حصيلة جهود تتراكم؛ فكرة يضعها أحد، واعتماد يصدر في عهد آخر، ومتابعة يقوم بها ثالث، ومواطن يطالب، وموظف ينجز، ومسؤول يأتي في اللحظة التي يرى فيها الناس النتيجة؛ ومن الظلم أن تختصر كل تلك السلسلة في اسم واحد لمجرد أنه كان حاضراً عند لحظة الافتتاح أو بدء التنفيذ؛ وكم نحن بحاجة اليوم إلى ثقافة تقول للمسؤول الجديد: لا تبحث عن إنجاز يبدأ بك، بل ابحث عن إنجاز يستمر بك؛ ولا تجعل همّك أن يقول الناس إنك صنعت كل شيء، بل اجعلهم يقولون إنك حفظت ما أنجزه من سبقوك، وأكملت ما بدأوه، وأضافت إدارتك إليه شيئاً جديداً؛ أما المجاملة التي تأتي على حساب الآخرين، فهي ليست مجاملة في حقيقتها، بل ظلم ناعم المظهر؛ لأنها تبتسم في وجه من تُنسب إليه الأضواء، بينما تترك أصحاب الجهد الحقيقيين في الظل؛ ويبقى الموقف الذي سجله الدكتور غازي القصيبي ـ رحمه الله ـ درساً بليغاً في أن الكبار لا تكبرهم الإنجازات التي تُنسب إليهم زوراً، وإنما تكبرهم قدرتهم على رد الفضل إلى أصحابه؛ فليس المهم أن يقال: من فعل؟ بقدر ما يجب أن يقال: من يستحق أن يُذكر؟
وحين تكون الإجابة أمينة، يعرف كل صاحب فضل مكانه، ويصبح الإنجاز أكثر جمالاً؛ لأنه لا يقوم على مجاملة، ولا يُبنى على إنكار، وإنما يستند إلى الحقيقة التي لا تحتاج إلى تلميع: أن لكل إنجاز أهلاً، وأن الوفاء لهم جزء من الإنجاز نفسه.
ثمة مجاملات تبدو في ظاهرها إشادة، لكنها في حقيقتها قد تكون ظلماً صريحاً لمن بذلوا الجهد، وعملوا بصمت، ومهّدوا الطريق حتى وصل المشروع إلى لحظة الإنجاز؛ وما أكثر ما يحدث ذلك في حياتنا العملية؛ يبدأ مشروعاً في عهد مسؤول، وتُستكمل إجراءاته في عهده، ويُعتمد ويُدرج في الخطط والميزانيات، ثم تتأخر بعض ظروف التنفيذ، فيأتي مسؤول جديد، وما إن يبدأ العمل في مشروع أو تُفتح طريق أو تُستكمل معاملة، حتى تتجه الأضواء إليه، وكأن كل ما سبق لم يكن موجوداً؛ والأكثر إيلاماً أن تتحول المجاملة إلى رواية تتناقلها المجالس ووسائل التواصل، فتمنح شخصاً واحداً فضلاً لم يصنعه، وتسقط من المشهد أسماء رجال سبقوه بالعمل والاعتماد والمتابعة، وربما مواطنين لم يتركوا باباً إلا طرقوه، وجهات عملت خلف الكواليس حتى أصبح المشروع واقعاً يراه الناس.
وهنا يحضرني موقف لا يزال عالقاً في الذاكرة لمعالي الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي ـ رحمه الله ـ حين تولى وزارة المياه عام 1423هـ، وبعد مباشرته العمل بأيام وقّع مشروعاً كبيراً للمياه بحضور عدد من الإعلاميين، فبادر أحدهم بالقول إن هذا المشروع يمثل أولى بشائر معاليه؛ وكان بإمكان الوزير أن يبتسم للمجاملة، أو يكتفي بالشكر، أو يترك الانطباع قائماً كما هو، لكنه اختار أن يكون منصفاً قبل أن يكون مسؤولاً، فرد موضحاً أن المشروع كان مدرجاً ضمن مشاريع وزارة المياه قبل انفصالها عن وزارة الكهرباء، وأنه من جهود زملائه في الوزارة الأخرى؛ وقد تبدو تلك الإجابة عابرة في زمن تتسابق فيه بعض الكلمات إلى صناعة البطولات، لكنها في الحقيقة تختصر درساً كبيراً في أخلاقيات المسؤولية: ليس كل إنجاز يبدأ يوم تولي المسؤول لمنصبه، وليس كل ما يُفتتح في عهده هو بالضرورة من صنع يده.
المسؤول النبيل لا يحتاج إلى أن يكبر في أعين الناس بتصغير جهود من سبقوه، ولا يرى في الاعتراف بفضل الآخرين انتقاصاً من مكانته؛ بل إن قيمة المسؤول تظهر حين يستطيع أن يقول أمام الناس: هذا العمل بدأ قبلي، وهذا جهد من سبقني، وهذا الإنجاز شارك فيه زملاء ومواطنون وجهات عدة، ونحن اليوم نكمل ما بدأوه؛
وما أجمل أن يدرك المسؤول الجديد أن المنصب ليس ممحاة تمسح ما قبله، وأن المكتب الذي يجلس خلفه لم يبدأ تاريخه يوم جلس على كرسيه؛ فقبله رجال عملوا، وراجعوا، وخططوا، واعتمدوا، وتابعوا، وربما غادروا مواقعهم قبل أن يروا ثمرة ما زرعوه؛ وقد تكون لحظة ظهور الإنجاز قد جاءت في عهد اللاحق، لكن ذلك لا يمنحه الحق في أن يحتكر الفضل؛ وفي بعض الحالات، يكون الأمر أوضح من ذلك؛ فقد يتعطل مشروع يتبع جهة أخرى، فيبادر مواطنون بمراجعة الجهات المختصة، ويتابعون، ويطالبون، حتى تعود عجلة العمل إلى الدوران؛ ثم يتزامن ذلك مع تعيين مسؤول جديد في الجهة المحلية، فتبدأ عبارات الإشادة والمجاملة، ويُنسب إليه الفضل في عودة المشروع، مع أن المشروع ليس أصلاً من اختصاص جهته، ولم يمض على وجوده في موقعه سوى أيام.
ومثل ذلك ما يحدث كمثال في بعض مشاريع السفلتة؛ تكون الاعتمادات قد صدرت في عهد مسؤول سابق، وتكون الإجراءات قد اكتملت قبل مغادرته، ثم يبدأ التنفيذ بعد وصول المسؤول الجديد، فيُقال إن الطريق جاء بفضل الرئيس الجديد، وكأن الاعتماد والتخطيط والمتابعة التي سبقته لم تكن إلا تفاصيل لا تستحق الذكر.
المشكلة ليست في أن يُشكر المسؤول الجديد على ما قام به فعلاً؛ فهذا حقه، بل المشكلة حين تتحول الإشادة إلى إلغاء للآخرين، وحين تصبح المجاملة وسيلة لإعادة كتابة الحقيقة؛ فالشكر الذي يمنح شخصاً أكثر مما يستحق قد يسلب آخرين حقهم، وربما يقتل في نفوس العاملين قيمة الإخلاص حين يرون أن من يجني ثمار العمل ليس بالضرورة من زرعها.
وليس أجمل من مسؤول إذا ذُكر أمامه إنجاز أن يبحث أولاً عن أصحاب الفضل فيه، وأن يذكر أسماءهم، ويشكر من سبقوه، ويمنح المواطنين الذين تابعوا وراجعوا وطالبوا حقهم من التقدير؛ تلك ليست مجاملة للآخرين، بل هي عدالة في القول، وأمانة في المسؤولية، ورقي في الأخلاق.
لقد اعتدنا أن نصف المسؤول الناجح بأنه صاحب إنجازات كثيرة، لكنني أظن أن من علامات النجاح الحقيقية أن يكون المسؤول أميناً على نسب الإنجاز؛ فلا يسرق جهداً لم يبذله، ولا يسمح لمن حوله أن يسرق جهود الآخرين باسمه، ولا يترك المجاملة تتحول إلى حقيقة مزيفة تتناقلها الألسن.
فالإنجاز العام ليس ملكاً لشخص، وإنما هو حصيلة جهود تتراكم؛ فكرة يضعها أحد، واعتماد يصدر في عهد آخر، ومتابعة يقوم بها ثالث، ومواطن يطالب، وموظف ينجز، ومسؤول يأتي في اللحظة التي يرى فيها الناس النتيجة؛ ومن الظلم أن تختصر كل تلك السلسلة في اسم واحد لمجرد أنه كان حاضراً عند لحظة الافتتاح أو بدء التنفيذ؛ وكم نحن بحاجة اليوم إلى ثقافة تقول للمسؤول الجديد: لا تبحث عن إنجاز يبدأ بك، بل ابحث عن إنجاز يستمر بك؛ ولا تجعل همّك أن يقول الناس إنك صنعت كل شيء، بل اجعلهم يقولون إنك حفظت ما أنجزه من سبقوك، وأكملت ما بدأوه، وأضافت إدارتك إليه شيئاً جديداً؛ أما المجاملة التي تأتي على حساب الآخرين، فهي ليست مجاملة في حقيقتها، بل ظلم ناعم المظهر؛ لأنها تبتسم في وجه من تُنسب إليه الأضواء، بينما تترك أصحاب الجهد الحقيقيين في الظل؛ ويبقى الموقف الذي سجله الدكتور غازي القصيبي ـ رحمه الله ـ درساً بليغاً في أن الكبار لا تكبرهم الإنجازات التي تُنسب إليهم زوراً، وإنما تكبرهم قدرتهم على رد الفضل إلى أصحابه؛ فليس المهم أن يقال: من فعل؟ بقدر ما يجب أن يقال: من يستحق أن يُذكر؟
وحين تكون الإجابة أمينة، يعرف كل صاحب فضل مكانه، ويصبح الإنجاز أكثر جمالاً؛ لأنه لا يقوم على مجاملة، ولا يُبنى على إنكار، وإنما يستند إلى الحقيقة التي لا تحتاج إلى تلميع: أن لكل إنجاز أهلاً، وأن الوفاء لهم جزء من الإنجاز نفسه.



