
مكشن مطعم جمال بجازان…وذكريات الاعلامي رمضانبقلم الاعلامي حمد دقدقي
دخلنا مطعم جمال للأكلات الشعبية بصحبة الإعلامي المخضرم رمضان مجمّمي، ونحن نحمل في نفوسنا شيئًا من شهوة البحر، وشيئًا أكبر من حنين جازان إلى موائدها التي لا تعرف التكلف، ولا تحتاج إلى كثير من الزينة كي تقول للضيف: أهلًا بك.
كان مقصدنا سمك الضيراك؛ ذلك السمك الذي إذا حضر على المائدة حضر معه البحر بموجه ورائحته وملحه وذكرياته. سألنا عنه، فجاءنا الرد من العامل الآسيوي بابتسامة صادقة: السمك غالٍ، وهذا النوع غير موجود!
فضحكنا من مفارقة الموقف، وقلنا: لا بأس… ليكن الغداء مكشنًا.
فالمكشن في جازان ليس طعامًا فحسب، ولكنه صفحة من كتاب البيوت القديمة؛ يوم كانت الأمهات يضعن على النار ما تيسّر، ثم يخرجن من القليل كثيرًا، ومن البساطة لذة لا تزال الذاكرة تحتفظ بطعمها.
وما هي إلا لحظات حتى وُضعت المائدة.
كان زيت السمسم يلمع فوق الطبق كأن حباته الصغيرة قد اجتمعت لتؤدي رقصة فرح على جمر المذاق، وإلى جواره الرز الأبيض في هدوئه الجميل، وقطعتا الليمون تستلقيان على الطرف كأنهما توقيع أخير على لوحة شعبية لا تحتاج إلى إطار.
نظرنا إلى الطعام، ثم نظر بعضنا إلى بعض، ولم نعد نفتقد الضيراك.
فقد تكون هناك أطعمة لا يأكلها الفم وحده؛ تأكلها الذاكرة قبل أن تتذوقها الحواس. ولعل المكشن الذي جاءنا بدل الضيراك كان أصدق في التعبير عن جازان؛ فهو يشبهها في كل شيء: بساطة في المظهر، وكرم في الجوهر، ودفء لا تستطيع المائدة أن تخفيه.
جلس رمضان إلى جواري، وبدأنا الغداء، فإذا بكل لقمة تفتح بابًا من أبواب الماضي؛ يوم كانت الموائد أقل ازدحامًا بالأطباق، لكنها أكثر ازدحامًا بالأحبة، وكان الطعام سببًا للجلوس، والجلوس سببًا للحكايات، والحكايات سببًا لأن يطول العمر في الذاكرة.
ثم فرغنا من الغداء، وركبنا الشانجان عائدين إلى فندق فرنديال، وكأننا لا نعود من مطعم، وإنما نعود من زمن جميل أخذنا منه ما يكفي من الذكريات.
وبجانب الجمل البارك، كان لنا موعد آخر مع عادة صغيرة من عادات الصحبة الجميلة: براد الشاي المعتاد.
وقبل الشاي أدينا صلاة العصر، ثم جلسنا نرتشف شاي أبو علامة 999، ذلك الشاي الذي لم يكن مجرد مشروب، وإنما صار جزءًا من طقوس الجلسة، وعلامة على أن الحكاية لم تنتهِ بعد.
وفي تلك الأثناء، رأيت رمضان يقطف شيئًا من أزهار الفل المصري المزروعة على واجهة الفندق.
ابتسمت في سري، وقلت: لعلها ليست زهرة يقطفها لنفسه، وإنما هدية صغيرة لرائحة طيبة؛ فهو الرجل الذي يعمل في القطاع الصحي، ويرى في المستشفيات كل يوم وجوهًا كثيرة، بعضها يأتي مثقلًا بالتعب، وبعضها يخرج وفي عينيه رجاء، ولعل الرجل الذي اعتاد أن يخفف عن الناس شيئًا من آلامهم، وجد في الفل لغة أخرى للعطاء؛ لغة لا تحتاج إلى كلام.
فالفل، يا صديقي، لا يسأل لمن سيذهب، ولا ماذا سيقول حين يصل؛ يكفيه أن يحمل رائحته ويمضي.
وهكذا كان يومنا.
بدأناه بالبحث عن الضيراك، وانتهينا بمكشن، وصلّينا العصر، وشربنا الشاي، وقطف رمضان الفل، ثم جلسنا نتأمل في أشياء صغيرة ربما لا يلتفت إليها أحد، لكنها عند أصحاب القلوب الكبيرة تصبح حكايات.
خرجنا من ذلك اليوم دون ضيراك، ولكننا حملنا معنا ما هو أثمن من السمك:
صحبة رجل كريم، ومائدة جازانية، وشايًا معتادًا، ورائحة فل، وشيئًا من ذلك الزمن الذي كان الناس فيه يعرفون قيمة الجلسة، ويعرفون أن أجمل ما في الغداء ليس ما يوضع في الصحون، وإنما من يجلس إلى جوارك حولها.
أما الضيراك، فليؤجل إلى موعد آخر…
فالبحر طويل، والسمك موجود، ولكن الصحبة الطيبة إذا حضرت، صار كل شيء على المائدة جميلًا، وصار الغدا



