
«الاستدامة الأسرية والسكانية»… رؤية سعودية لمستقبل ديموغرافي متوازن
أكد الاستشاري الاجتماعي د. محمد الشاماني أن تراجع معدل المواليد في المملكة من نحو 44 مولودًا لكل ألف نسمة عام 1980 إلى قرابة 16 مولودًا عام 2023 لا يُعد مشكلة بحد ذاته، بل مؤشرًا على تحولات اجتماعية واقتصادية متسارعة تستدعي قراءة مستقبلية دقيقة. وأوضح أن خصوصية الحالة السعودية تكمن في سرعة التغيرات الديموغرافية المرتبطة بالتعليم والعمل والتحضر وتغير أنماط الحياة وتكوين الأسرة.
وأشار الشاماني إلى أن التحدي الحقيقي يتمثل في ضمان عدم تحول انخفاض حجم الأسرة مستقبلًا إلى اختلال بين الأجيال ينعكس على سوق العمل والاقتصاد وأنظمة التقاعد والرعاية الصحية، داعيًا إلى تبني مفهوم «الاستدامة الأسرية والسكانية» بوصفه إطارًا شاملًا يدعم استقرار الأسرة ويحافظ على توازن التركيبة السكانية.
وبيّن أن انخفاض معدلات الإنجاب يرتبط بعوامل متعددة، منها ارتفاع تكاليف السكن والمعيشة، وتأخر الزواج، وتكلفة تربية الأطفال، واتساع الطموحات التعليمية والمهنية، مؤكدًا وجود فجوة محتملة بين رغبة الأسر في الإنجاب وقدرتها الفعلية على تحقيق ذلك. وأضاف: «السؤال الأهم ليس لماذا لا يريد الشباب الزواج والإنجاب، بل ما الذي يجعل تكوين الأسرة أصعب مما ينبغي؟
وشدد على أن المرأة السعودية عنصر أساسي في الحل، وأن ارتفاع مشاركتها التعليمية والمهنية يمثل مكسبًا وطنيًا، ما يستدعي تطوير منظومة دعم أسري تشمل حضانات عالية الجودة، وأنماط عمل مرنة، وإجازات أسرية مناسبة، إلى جانب تعزيز شراكة الأب في التربية والرعاية
وأكد الشاماني أن الأسرة يجب أن تُنظر إليها باعتبارها مؤسسة تنموية تُبنى داخلها القيم والانتماء والمسؤولية، وأن الاستثمار فيها هو استثمار في رأس المال البشري والاجتماعي. كما لفت إلى أن تقلص حجم الأسرة قد يؤثر مستقبلًا في شبكات القرابة والدعم الاجتماعي التي أدت تاريخيًا دورًا مهمًا في رعاية الأطفال وكبار السن.
ودعا إلى الانتقال من معالجة المشكلات الأسرية بعد وقوعها إلى الاستثمار المبكر في استقرار الأسرة، عبر منظومة متكاملة تشمل تيسير الزواج، والاستقرار السكني والاقتصادي، والتوازن بين العمل والحياة الأسرية، ودعم الأمومة والطفولة، وتوفير الحضانات، وتعزيز مهارات الزواج والوالدية
واقترح تطوير مؤشر وطني للاستدامة الأسرية والسكانية يجمع مؤشرات الزواج والطلاق والخصوبة وحجم الأسرة والسكن وتكاليف رعاية الأطفال والتوازن بين العمل والأسرة والاستقرار الاقتصادي وجودة العلاقات الأسرية، معتبرًا أن المؤشرات الأسرية تكشف قدرة المجتمع على حمل الاقتصاد مستقبلًا.
واختتم الشاماني بالتأكيد على أن المملكة تمتلك فرصة مهمة للتعامل مبكرًا مع التحولات السكانية في ظل قاعدة سكانية شابة، وأن القضية ليست صراعًا بين الحداثة والأسرة، بل سؤالًا تنمويًا يتعلق بمستقبل المجتمع السعودي، مضيفًا: «الاستدامة الأسرية والسكانية تحافظ على الإنسان الذي سيحمل الوطن إلى المستقبل»



