مقالات

الشيخ احمد بن عيد بن حرب العطيات …. حين تتحدث المواقف عن مكانة الرجال بقلم الاعلامي الدكتور حرب العايش

في كل مجتمع رجالٌ لا تُقاس مكانتهم بما يقال عنهم، وإنما بما تقوله عنهم مواقفهم، ولا تُعرف قيمتهم بما يحملونه من ألقاب، وإنما بما يتركونه في نفوس الناس من أثر. رجالٌ إذا حضروا كان لحضورهم معنى، وإذا تحدثوا أُنصت لهم، وإذا سعوا في أمرٍ وجدوا من حولهم يثقون بحكمتهم ورأيهم. ومن بين هذه الشخصيات التي فرضت حضورها بالاحترام والمواقف، يبرز الشيخ أحمد بن عيد بن حرب العطيات «أبو ثامر»، أحد شيوخ وكبار قبيلة بني عطية، وشخصية اجتماعية لها مكانتها وحضورها وعلاقاتها الواسعة مع مختلف شرائح المجتمع.

والحديث عن الشيخ أحمد لا يمكن أن يُختصر في لقب «شيخ» أو في مكانة اجتماعية، لأن ما يلفت في شخصيته هو ذلك المزيج المتوازن بين الهيبة والقرب، وبين الوجاهة والتواضع، وبين الحضور الاجتماعي وحسن التعامل. فهو من الرجال الذين استطاعوا أن يجعلوا من مكانتهم وسيلة للتواصل مع الناس، لا حاجزاً بينهم وبينهم، ولذلك تجد في شخصيته احترام الشيخ، وبشاشة الإنسان، وكرم الرجل الذي يعرف أن قيمة المجالس ليست في فخامتها، وإنما في الألفة التي تُصنع داخلها.

ولعل أكثر ما يمنح حضوره خصوصيته أن ابتسامته تسبق كلماته، وأن طريقته في استقبال الناس تمنحهم شعوراً بأنهم موضع تقدير. وهذه التفاصيل، وإن بدت بسيطة، هي في الحقيقة التي تصنع الشخصيات المحبوبة؛ فالإنسان قد ينسى كثيراً مما قيل في مجلس، لكنه لا ينسى كيف استُقبل، ولا ينسى الوجه الذي قابله بالترحاب، ولا ينسى شعوره وهو يغادر ذلك المجلس. ومن هنا يبدو كرم الشيخ أحمد امتداداً طبيعياً لحسن تعامله، فالكرم عنده ليس مجرد ضيافة، وإنما نفسٌ رحبة، ووجهٌ بشوش، ومجلسٌ يجد فيه القادم مكانه وقدره.

ومثل هذه الصفات لا تقف عند حدود التعامل الشخصي، بل تفتح أبواباً واسعة للعلاقات الإنسانية والاجتماعية، وهو ما يفسر اتساع دائرة علاقات الشيخ أحمد مع الشيوخ والأعيان والوجهاء، إلى جانب قبوله لدى مختلف شرائح المجتمع. فالعلاقات القوية لا تُبنى بكثرة اللقاءات وحدها، وإنما تُبنى بالاحترام والوفاء وحسن المواقف، والشيخ أحمد من الشخصيات التي تعرف قيمة العلاقة وتحافظ عليها، وتدرك أن التواصل الحقيقي لا تصنعه المناسبات وحدها، وإنما تصنعه الأيام وما تحمله من مواقف واختبارات.

ومن الطبيعي أن يحظى الرجل الذي يجمع هذه الصفات بثقة الناس، وأن تكون له كلمة مسموعة حين يتعلق الأمر بالخير والإصلاح؛ ولذلك يأتي حب الخير وإصلاح ذات البين في صميم حضوره الاجتماعي. فالإصلاح ليس مجرد تدخل بين طرفين، بل مسؤولية تحتاج إلى عقلٍ راجح، ونفسٍ كبيرة، وسعة صدر، وقدرة على أن يسمع الإنسان الجميع دون أن يزيد الخلاف اشتعالاً. والمصلح الحقيقي هو من يبحث عن نقطة الالتقاء، ويحفظ للناس كرامتهم، ويجعل من مكانته باباً للصلح لا باباً للخصومة.

وهنا تحديداً تتضح قيمة الشيخ أحمد الاجتماعية؛ فالرجل الذي يحظى بالقبول بين الناس يستطيع أن يجعل من حضوره مساحةً لجمع القلوب، ومن كلمته وسيلةً لتقريب وجهات النظر، ومن علاقاته جسوراً تمتد بين مختلف الأطراف. وهذه المكانة لا تأتي بقرار، ولا تُصنع في مناسبة واحدة، وإنما تتكون على مهل، من سنواتٍ من حسن التعامل، والوفاء، والكرم، والحرص على الخير، وهي الصفات التي تمنح الرجل احتراماً يتجاوز حدود المجلس إلى احترام المجتمع له.

واللافت في شخصية أبي ثامر أنه لا يتعامل مع الوجاهة باعتبارها امتيازاً، وإنما باعتبارها مسؤولية. فكلما ارتفعت مكانة الإنسان، أصبحت مطالباً منه أن يكون أكثر قرباً من الناس، وأكثر حرصاً على علاقاته، وأكثر قدرة على أن يكون عند حسن ظن من يضعون ثقتهم فيه. ولهذا تبدو شخصيته قريبة من الناس رغم مكانتها، ومحبوبة رغم وجاهتها، وهي معادلة لا ينجح فيها إلا من كانت صفاته نابعة من طبيعته لا من رغبته في الظهور.

وعندما تتأمل هذه الشخصية من بعيد، تجد أن كل صفة فيها تقود إلى الأخرى؛ فالكرم يفتح باب المحبة، والمحبة تصنع القبول، والقبول يقوي العلاقات، والعلاقات تمنح الرجل قدرة أكبر على الإصلاح، والإصلاح يزيد من ثقة الناس به، والثقة تعزز مكانته. وهكذا تتشكل صورة الشيخ أحمد بن عيد بن حرب العطيات بصورة متكاملة، لا باعتباره صاحب صفة واحدة، وإنما باعتباره شخصية اجتمعت فيها مجموعة من القيم التي صنعت حضوراً اجتماعياً لافتاً.

ولهذا فإن الحديث عن أبي ثامر ليس مجرد مديح لشخصية اجتماعية، بل قراءة في نموذج لرجلٍ استطاع أن يحافظ على مكانته من خلال ما هو أبقى من المكانة نفسها: الأخلاق والمواقف وحسن التعامل. فالأسماء قد تكون كثيرة، والوجوه قد تتغير، والمناسبات قد تنتهي، لكن ما يبقى في ذاكرة الناس هو الإنسان الذي جعلهم يشعرون بقيمتهم، ووقف مع الخير، وسعى إلى الإصلاح، وأكرم ضيفه، وحفظ علاقاته، واستقبل الناس بابتسامة صادقة.

وفي النهاية، فإن الشيخ أحمد بن عيد بن حرب العطيات «أبو ثامر» يمثل صورة الرجل الذي لا يحتاج إلى كثير من التعريف؛ لأن حضوره بين الناس، وعلاقاته، وطيب معشره، وكرمه، وحبه للخير، وسعيه إلى الإصلاح، كلها تتحدث عنه بطريقتها الخاصة.

إنها مكانة لم تصنعها الكلمات، وإنما صنعتها الأيام؛ ووجاهة لم تعتمد على اللقب، وإنما أسندتها المواقف؛ ومحبة لم تُطلب من الناس، وإنما جاءت ثمرةً طبيعية لرجلٍ عرف كيف يكون كبيراً في مكانته، وقريباً في تعامله، وكريماً في طبعه، ومصلحاً في مواقفه.

وهكذا تبقى سيرة الرجال الكبار؛ لا تُكتب في سطرٍ واحد، ولا تختصرها مناسبة، وإنما تتشكل من تفاصيل كثيرة، يجمعها في النهاية شيء واحد: أثرٌ طيب يبقى في ذاكرة الناس
بقلم الدكتور: حرب العايش

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى