
“الشريان الذي فقد نبضه” … بقلم الكاتب عبدالله بن محمد بن هويمل العطوي
تعكس مشاريع تطوير الطرق مستوى التخطيط الحضري في أي مدينة، ويُفترض أن يكون هدفها الأول تسهيل حركة المرور ورفع كفاءة شبكة الطرق، لا خلق اختناقات جديدة تزيد من معاناة السكان. فليست كل المشاريع المرورية تعني التطوير، وليست كل القرارات الهندسية تقود إلى تحسين الواقع. ففي بعض الأحيان تتحول المعالجات إلى سبب مباشر في خلق أزمات جديدة،
ما حدث في طريق الملك خالد بمدينة تبوك، المعروف سابقًا بطريق عمان، يستحق الوقوف عنده بجدية. فهذا الطريق ليس مجرد شارع عادي، بل هو الشريان الرئيس الذي يخترق المدينة من شمالها إلى جنوبها، واعتمد عليه سكان تبوك لعقود بوصفه أحد أهم المحاور المرورية وأكثرها حيوية. ولذلك فإن معالجة هذا الطريق بإغلاق الإشارة عند تقاطعه مع طريق الملك عبدالله، بالقرب من إدارة الأحوال المدنية، يثير تساؤلات مشروعة حول الأسس التي بُني عليها هذا القرار
قد يكون الهدف المعلن هو تحسين انسيابية الحركة المرورية، وهو هدف لا يختلف عليه اثنان، لكن النتائج على أرض الواقع تقول شيئًا آخر. فالازدحام لم يختفِ، وإنما انتقل إلى موقع جديد، بل أصبح أكثر حدة على طريق الملك عبدالله، خصوصًا عند منطقة الدوران بعد مستشفى الملك خالد
إن التخطيط المروري الناجح لا يقاس بإغلاق تقاطع أو إزالة إشارة ضوئية، وإنما بقدرته على الحفاظ على كفاءة الشبكة المرورية بأكملها. وعندما يؤدي الحل إلى تعطيل أحد أهم الطرق في المدينة وتحميل طريق آخر فوق طاقته الاستيعابية، فإن من حق المجتمع أن يتساءل: هل تمت دراسة الآثار المرورية لهذا القرار بصورة كافية؟ وهل أُخذت حركة السير المستقبلية في الاعتبار، أم اقتصر الأمر على معالجة موضعية نقلت المشكلة من مكان إلى آخر؟
المؤسف أن طريقًا بهذه الأهمية انتهى إلى هذا الأمر بينما كان من الممكن أن يكون هذا الموقع نموذجًا لحل هندسي متكامل من خلال إنشاء جسر أو نفق يحافظ على استمرارية الحركة في الطريقين معًا، ويواكب النمو العمراني الذي تشهده مدينة تبوك. فالمدن لا تُبنى بالحلول المؤقتة، وإنما بالمشروعات التي تستوعب احتياجاتها لعقود قادمة.
ليس الهدف من هذا الطرح توجيه اللوم أو التقليل من جهود الجهات المعنية، فالجميع يعمل من أجل خدمة المدينة، لكن من صميم العمل المؤسسي أن تخضع القرارات للمراجعة متى أثبت الواقع أنها لم تحقق النتائج المرجوة. فالاعتراف بالحاجة إلى التصحيح ليس تراجعًا، بل دليل على النضج الإداري والحرص على المصلحة العامة
إن تبوك مدينة تنمو بسرعة، وتستحق حلولًا مرورية تواكب حاضرها ومستقبلها، وتستند إلى التخطيط الاستراتيجي بعيدًا عن المعالجات المؤقتة وما نأمله هو إعادة تقويم هذا المشروع بكل شفافية، والاستفادة من آراء المختصين، ووضع حل هندسي دائم يليق بمدينة تتطلع إلى مستقبل أكثر تنظيمًا وكفاءة. فالطرق الرئيسة لا ينبغي أن تنتهي بحواجز، بل يجب أن تظل شرايين نابضة بالحركة، تؤدي دورها في خدمة الإنسان والتنمية، لا أن تتحول إلى نقطة بداية لأزمة مرورية جديدة



