
الإعلام بين صناعة الوعي ومطاردة الترند …… من يقود الرأي العام اليوم …بقلم الكاتبة والاعلاميه شادية الرياش
في زمن أصبحت فيه المعلومة تصل إلى ملايين الأشخاص خلال ثوانٍ، لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح قوة مؤثرة تصنع الوعي، وتوجه الرأي العام، وتبني القيم أو تهدمها. لذلك، فإن قيمة الإعلام لا تُقاس بسرعة نشر الخبر، بل بمدى صدقه وتأثيره الإيجابي في المجتمع.
إن الرسالة الإعلامية الحقيقية تقوم على أهداف سامية، في مقدمتها نقل الحقيقة بمهنية، وتعزيز الوعي المجتمعي، ودعم الهوية الوطنية، ونشر الثقافة والمعرفة، وإبراز الإنجازات، وإتاحة مساحة للحوار المسؤول الذي يحترم اختلاف الآراء دون إساءة أو تضليل.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما يُنشر في وسائل الإعلام ومنصات التواصل يصنع وعياً، أم يصنع ضجيجاً؟
للأسف، أصبح السباق نحو “الترند” يدفع البعض إلى تقديم الإثارة على حساب المصداقية، والعناوين الجاذبة على حساب الحقيقة، حتى باتت الشائعة أحياناً تنتشر أسرع من الخبر الصحيح. وهنا يظهر الفرق بين الإعلامي الحقيقي وصانع المحتوى؛ فالإعلامي يحمل مسؤولية أخلاقية ومهنية، بينما قد يبحث البعض الآخر عن المشاهدات فقط، مهما كانت النتائج.
الإعلام لا يقتصر على نقل الأحداث، بل يمتد إلى بناء الإنسان. كلمة صادقة قد تغيّر فكرة، وتقرير مهني قد يكشف قضية، وحملة إعلامية مسؤولة قد تنقذ مجتمعاً من خطر أو تعزز قيمة وطنية. ولهذا فإن الكلمة أمانة، والصورة مسؤولية، والمنصة الإعلامية ليست مكاناً للتأثير فقط، بل للاحتكام إلى الضمير قبل كل شيء.
وفي المقابل، يقع على المتلقي أيضاً دور لا يقل أهمية، فلا ينبغي أن يكون مستهلكاً لكل ما يشاهده، بل باحثاً عن المصادر الموثوقة، ومدققاً قبل إعادة النشر. فالإعلام المسؤول يبدأ من إعلامي أمين، ويكتمل بجمهور واعٍ.
إن مستقبل الإعلام لن تحدده التقنيات الحديثة أو الذكاء الاصطناعي وحدهما، بل ستحدده القيم التي يحملها من يعمل في هذا المجال. فالتكنولوجيا قد تسرّع وصول الرسالة، لكنها لا تستطيع أن تمنحها المصداقية أو الأخلاق.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده: هل نريد إعلاماً يحقق أرقاماً ومشاهدات فقط، أم إعلاماً يصنع وعياً ويترك أثراً يمتد إلى الأجيال القادمة؟
ربما تكون الإجابة هي التي سترسم ملامح إعلام المستقبل.



