
نادي علم النفس العربي السعودي يناديك بقلم د. محمد بن يوسف الصالح
لكل أمة لحظاتها الفارقة التي تنتقل فيها من أستهلاك المعرفة إلى إنتاجها، ومن الاعتماد على نظريات الآخرين إلى بناء نماذجها الخاصة التي تنبع من واقعها وقيمها وتجاربها، واليوم يقف علم النفس العربي السعودي أمام واحدة من هذه اللحظات التاريخية.
لقد استفدنا لعقود طويلة من المدارس النفسية الغربية، ودرسنا نظرياتها، وطبقنا أدواتها، وترجمنا كتبها، وأستفاد منها المختصون والباحثون في جوانب كثيرة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل أكتفينا بدور المتلقي؟ أم حان الوقت لنشارك في صناعة المعرفة النفسية من واقعنا نحن؟
إن الإنسان العربي السعودي يعيش داخل منظومة ثقافية واجتماعية ودينية فريدة. فهو يتأثر بالأسرة الممتدة، والانتماء الاجتماعي، والقيم الدينية، والسمعة، والكرامة، والمسؤولية الجماعية، والعديد من المفاهيم التي تشكل جزءًا أساسيًا من حياته اليومية. ومع ذلك، لا تزال هذه العناصر تحظى بحضور محدود في كثير من الأدبيات النفسية العالمية.
من هنا جاءت فكرة نادي علم النفس العربي السعودي، هذا النادي ليس مؤسسة مغلقة، ولا مشروعًا شخصيًا، ولا منصة لمهاجمة المدارس النفسية الأخرى، بل هو مساحة علمية مفتوحة تجمع المختصين والباحثين والأكاديميين وطلبة الدراسات العليا والمهتمين بالشأن النفسي، بهدف التفكير المشترك في سؤال واحد:
كيف يمكننا فهم الإنسان العربي السعودي من خلال بيئته وقيمه وتجربته الحياتية؟
إنني شخصيا أؤمن أن بناء المعرفة لا يتم عبر الشعارات، بل عبر البحث العلمي والدراسات الميدانية والنقاشات الأكاديمية الرصينة. ولذلك فإن النادي يطمح إلى تشجيع الأعضاء على تطوير النظريات، وإجراء الدراسات، وتصميم المقاييس النفسية، وتحليل الظواهر الاجتماعية، وإنتاج أبحاث قابلة للنشر في المجلات العلمية المحلية والعالمية.
نحن لا ندعو إلى القطيعة مع علم النفس العالمي، بل إلى الإضافة إليه، فكما أسهمت مدارس مختلفة في تطوير علم النفس عبر التاريخ، يمكن للباحث العربي السعودي أن يقدم إسهامًا جديدًا ينطلق من خصوصية مجتمعه ويثري المعرفة الإنسانية بأكملها.
إن نجاح هذا المشروع لا يعتمد على شخص واحد، بل على جهود جماعية يشارك فيها المختص النفسي، والأستاذ الجامعي، والباحث، والمعالج، والطالب، وكل من يؤمن بأن مجتمعنا يستحق أن يكون موضوعًا للبحث، لا مجرد مستهلك لنتائج أبحاث الآخرين.
لذلك فإننا ندعو جميع المهتمين إلى الأنضمام لهذه المبادرة العلمية، والمشاركة بأفكارهم وأبحاثهم وملاحظاتهم ونقدهم العلمي. فالمشروعات الفكرية الكبرى لا تُبنى بالأفراد، بل بالمجتمعات العلمية التي تؤمن برسالتها وتسعى لتحقيقها.
ربما يكون السؤال الذي سيطرحه المؤرخون بعد سنوات هو:
متى بدأت المحاولة الجادة لبناء علم نفس عربي سعودي؟
ونأمل أن تكون الإجابة: عندما أجتمع الباحثون والمختصون حول فكرة واحدة، أن فهم الإنسان يبدأ من فهم بيئته، وأن إنتاج المعرفة مسؤولية لا تقل أهمية عن أستهلاكها.
شخصياً أرحب بكل من يريد أن يكون جزءًا من هذه الرحلة العلمية، رحلة البحث عن نماذج أكثر قدرة على فهم الإنسان العربي السعودي، وخدمة مجتمعه، والإسهام في تطوير علم النفس عالميًا من منظور جديد.



