
تحت قمر الأحدب المتناقص … وادي الدواسر يكتب سيرة المجالس التي تُنبت الرجال كما تُنبت الأرض نخلها
في مساءٍ هادئٍ من أمسيات وادي الدواسر، وبعد صلاة المغرب مباشرة، كان القمر يمضي في طوره الجميل من الأحدب المتناقص؛ ضوءٌ وفيرٌ يتراجع قليلًا كل ليلة، كأنه يفسح المجال لنجومٍ أخرى لتقول كلمتها؛ وعلى امتداد البصر، كانت الأرض قد لبست ثوبها النديّ، مبتلّة متشرّبة، غضّةً طريةً بعد أمطارٍ أعادت للحياة نضارتها، ففاحت رائحة المطر في الهواء، وامتزجت بعبير النخيل وأريج البساتين، وشذى طلع السبارا، حتى خُيّل إلينا أن المكان كلّه يتنفس حياةً جديدة.
هناك.. شرق المحافظة، في مزرعة أحد وجهاء المحافظة، التأم المجلس كعادته اليومية؛ مجلسٌ مفتوحٌ لا يُسأل فيه الطارق عن اسمه بقدر ما يُستقبل بوجهٍ طلقٍ وكلمةٍ طيبة؛ مضيفٌ كريمٌ، ظلّ بابه مشرعاً لنا ولغيرنا، يقدّم نموذجاً حياً لكرم الضيافة وأصالة المعدن، حيث يلتقي الناس على “العز وعلوم الرجال”، لا على مواعيد رسمية، بل على محبةٍ صادقةٍ وتقديرٍ متبادل.
اختلفت تلك الليلة عن سواها بشيءٍ خفيٍّ يسري في التفاصيل؛ فمع مرور فناجين القهوة، كان عطر العود الكمبودي ينساب بين الحضور واحدًا تلو الآخر، يزيد اللحظة دفئًا ووقاراً، وكأن الزمن يتباطأ ليمنح الحديث حقّه من الإصغاء؛ فلم تكن الجلسة مجرد لقاء عابر، بل مساحةً حيّةً تتلاقح فيها الأفكار كما تتلاقح النخيل.
دار الحديث حول “شجرة النخيل”، سيدة المكان وذاكرة الإنسان؛ من التلقيح والكموم، إلى التطليق، وقلع النخيل وغرسه واستناباته؛ وكان اللافت أن أغلب الحاضرين يمتهنون زراعتها، فصار كل واحدٍ منهم شاهداً وخبيراً في آنٍ واحد، يدلي بدلوه في كل جانب، مستنداً إلى تجربةٍ تراكميةٍ ورثها أباً عن جد؛ ولم يكن الطرح عاطفياً فحسب، بل امتد ليشمل الجوانب العلمية الدقيقة، مدعّمًا بمقارباتٍ وتجارب من دولٍ أخرى في زراعة النخيل، في مشهدٍ يُجسّد تزاوج المعرفة التقليدية بالعلم الحديث.
اتسم الحوار بالهدوء والاتزان، وأدب الحديث كان سيّد الموقف؛ الكبير مُقدّر، والصغير مُصغٍ ومشارك، وكل رأيٍ يجد طريقه إلى الآذان باحترام؛ ولم يكن هناك صوتٌ يعلو على آخر، بل كانت الحكمة تتنقّل بين الحضور بسلاسة، تُصاغ بالكلمة، وتُحفظ بالإنصات؛ وفي مثل هذه المجالس، لا تُقاس قيمة الحديث بطوله، بل بعمقه وأثره.
وقبيل أذان العشاء بدقائق معدودة، انفضّ المجلس على اتفاقٍ غير مكتوب: الصلاة أولاً؛ فقد نهض الجميع وكأنهم جسدٌ واحد، في صورةٍ تختصر المعنى الحقيقي للانضباط والوعي؛ فعندها تترسّخ القناعة بأن “المجالس مدارس” ليست مجرد مقولة، بل حقيقة تُعاش؛ ففي أقل من ساعة، اكتسب الحاضرون خبراتٍ ومعارف ومهارات، كان نصيب الشباب منها الأوفر، إذ تعلّموا بالسمع والرؤية كيف يكون الحوار ثرياً، وكيف تُبنى الفكرة، وكيف يُحترم الرأي.
تحت ذلك القمر الذي يمضي نحو تمام دورته، وبين أرضٍ ارتوت فأثمرت، ومجلسٍ احتضن فأنبت، يكتب وادي الدواسر حكايةً أخرى من حكاياته؛ حكايةُ رجالٍ يجتمعون على الخير، ويغادرون وقد تركوا في النفوس أثراً لا يقل عطاءً عن عطاء النخيل، ولا يقل جمالاً عن ضوء القمر.
مبارك بن عوض الدوسري
@mawdd3



