
اليوم العالمي للضمير.. بوصلتنا نحو إنسانية أصدق وعدالة أشمل بقلم مبارك بن عوض الدوسري
في الخامس من أبريل من كل عام، يقف العالم أمام مناسبة إنسانية ذات بعد أخلاقي عميق، هي اليوم العالمي للضمير، الذي أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2019، ليكون تذكيراً سنوياً بأحد أعظم القيم التي يقوم عليها توازن الإنسان واستقامة المجتمعات؛ ذلك الصوت الداخلي الذي يوجّه السلوك، ويقوّم الانحراف، ويضع الإنسان في مواجهة دائمة مع ذاته قبل أن يكون في مواجهة مع الآخرين؛ فالضمير في جوهره ليس مفهوماً فلسفياً مجرداً، بل هو مبدأ راسخ يتجذر في الفطرة الإنسانية، ويجد في تعاليم الدين الإسلامي عمقه الأصيل، حيث ارتبط بالرقابة الذاتية التي تعلو على كل رقابة، وتنبع من استشعار مراقبة الله عز وجل، وهو ما يُعرف بمقام الإحسان: “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”؛ ومن هذا المنطلق يصبح الضمير في الثقافة الإسلامية ليس خياراً أخلاقياً فحسب، بل واجباً دينياً وسلوكاً يومياً يُترجم في الصدق، والأمانة، والعدل، والإحسان إلى الخلق.
وفي المجتمع السعودي الذي تأسس على قيم الإسلام ومبادئه السمحة، يتجلّى حضور الضمير في صور متعددة، من التكافل الاجتماعي، إلى إغاثة الملهوف، إلى الالتزام بالقيم المهنية والإنسانية، وهي قيم تعززها رؤية المملكة 2030 التي جعلت من بناء الإنسان وتنمية القيم أحد مرتكزاتها الأساسية، إدراكاً بأن التنمية الحقيقية لا تقوم على الاقتصاد وحده، بل على إنسان واعٍ يمتلك ضميراً حياً يقوده نحو الإبداع والمسؤولية.
ويأتي هذا اليوم العالمي ليعيد التأكيد على أن الأزمات التي يواجهها العالم، من نزاعات وصراعات وتحديات بيئية واجتماعية، لا يمكن تجاوزها إلا بإحياء الضمير الإنساني، وتعزيز ثقافة التسامح، والعمل المشترك، ونبذ الأنانية والمصالح الضيقة؛ فحين يغيب الضمير تتسع الفجوة بين القيم والسلوك، وتفقد العدالة معناها ويختل ميزان الإنسانية.
إن الاحتفاء باليوم العالمي للضمير لا ينبغي أن يظل في إطار الشعارات، بل هو دعوة عملية لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان وقيمه، وبين الفرد ومجتمعه، من خلال التربية الواعية التي تغرس في الأجيال معنى المسؤولية، وتعزز لديهم القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وتربطهم بمبادئ دينهم وهويتهم الوطنية.
وفي زمن تتسارع فيه التحولات، وتتشابك فيه المصالح، يبقى الضمير هو البوصلة التي لا تخطئ، والنور الذي لا يخبو، والملاذ الذي يحفظ للإنسان إنسانيته؛ ومن هنا فإن هذا اليوم يمثل فرصة متجددة لأن يُنصت كل منا إلى صوته الداخلي، ويعيد ترتيب أولوياته، ويجعل من الضمير معياراً لكل قول وعمل، لنُسهم جميعاً في بناء عالم أكثر عدلاً، وأصدق إنسانية، وأقرب إلى القيم التي نؤمن بها ونعتز بها.
مبارك بن عوض الدوسري
@mawdd3



