
خديعة العقل …. هل نحن عقلاء أم مجرد “مجانين” تآلفوا مع القبح …. للكاتبة منيره عوض الله الحربي
رحلة في فلسفة الصدق، وغربة الفطرة، وكذبة التكيف التي اغتالت إنسانيتنا باسم “النضج”.
يحدثُ أحياناً أن تقف أمام “مجنون” يصرخ في وجه الزحام، فتشعر بوخزة غريبة في صدرك، ليست شفقة عليه، بل هي غيرة خفية من قدرته على الصراخ الذي خنقته أنت في حنجرتك باسم “الرزانة”. هنا يبرز السؤال الوجودي الصادم: من هو المريض الحقيقي؟ هل هو ذاك الذي انسلخ عن واقع مشوه ليحمي صدقه، أم نحن الذين روّضنا أرواحنا لنقبل الزيف كخبز يومي؟
شجاعة الانفصال: حين يكون الجنون “طُهراً”
إن المجنون، في جوهره الأعمق، هو الكائن الذي امتلك “شجاعة الرفض” حين عجزنا نحن عنها. لقد ألغى المسافة الفاصلة بينه وبين المواقف المؤلمة، فواجه القبح بحجمه الحقيقي دون مسكنات. وبانفصاله عن عالم لا يشبه فطرته، غدا هو “الأصح” نفسياً، لأنه ببساطة.. بريء من التزييف.
بينما نحن، يخدعنا علم النفس حين يمتدح “قدرتنا على التكيف” ويسميها نضجاً. إن هذه المسافة التي نصنعها بيننا وبين أوجاع العالم ليست نضجاً، بل هي “خدرٌ” تدريجي يفصلنا عن إنسانيتنا، ويحولنا إلى كائنات تتقبل البشاعة كجزء من روتين البقاء. لقد تحولنا بمرور الوقت إلى “مجانين متكيفين مع الوهم”، نلبس ملابس أنيقة فوق أرواح مشلولة.
“طوبى للغرباء” في عالم النيام
هذا “الجنون الصادق” ليس بعيداً عن جوهر الإيمان؛ فالإسلام جاء ليوقظ الإنسان من سكرة المظاهر. يقول النبي ﷺ: “بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء”. هؤلاء الغرباء هم من يراهم المجتمع “مجانين” لأنهم رفضوا الانحراف الجماعي، وتمسكوا بـ الفطرة التي لم تلوثها حسابات المصلحة.
إننا نعيش في “نوم جماعي” كما وصف الإمام علي بن أبي طالب بقوله: “الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا”. فالعاقل في ميزان الدنيا قد يكون هو الأكثر غرقاً في الوهم، بينما “البسيط” أو من نسميه “مجنوناً” قد يكون هو المستيقظ الوحيد وسط صالة عرض من التماثيل الشمعية. أولئك الذين لم تلوث عقولهم مهارات “الدجل الاجتماعي
الحكمة الكامنة خلف الأقنعة
إن المجانين هم أصحاب الحكمة الحقيقية، لأنهم وحدهم من واجهوا العالم بلا أقنعة. هم الذين استعادوا “براءة الفطرة” التي اغتالتها فينا حسابات الربح والخسارة. نحن لا نخشى جنونهم، بل نخشى الحقيقة التي يصرخون بها؛ الحقيقة التي تخبرنا أننا بعنا فطرتنا مقابل مقعد مريح في “قطار الوهم”.
خاتمة: هل تجرؤ على نزع القناع؟
في النهاية، يبدو أن المصحات ليست مليئة بالمرضى، بل بـ “المتمردين” الذين لم يحتملوا كذبة الواقع. أما نحن في الخارج، فنمارس جنوناً منظماً ومقبولاً اجتماعياً. ربما حان الوقت لنتوقف عن مدح “تكيّفنا” ونبدأ في التساؤل: متى كانت آخر مرة شعرنا فيها بصدقٍ يكفي لأن نُتهم بالجنون؟



