
وداعاً هرمز.. هل تكتب السعودية “شهادة وفاة” …. بقلم الكاتب حمد بن حسن التميمي
للمضائق المبتزة؟
من قال إن الجغرافيا قدر لا يمكن تغييره؟ لسنوات طويلة، ظن البعض أن رقبة الاقتصاد العالمي ستظل مرتهنة للأبد لممرات مائية ضيقة يسكنها القلق، لكن الرياض اليوم تقرر شق طريقها الخاص بعيداً عن صخب المدافع في هرمز. نحن لا نتحدث عن مجرد حفر في الرمل، بل عن “ثورة سيادية” تنقل نبض التجارة الدولية إلى قلب الصحراء السعودية، ليكون في مأمن تام تحت حماية “القرار الوطني” الخالص. تخيل هذا الشريان الممتد لألف كيلومتر؛ إنه ليس مجرد ممر للسفن، بل هو “إعلان استقلال” بحري يضع حداً نهائياً لزمن المغامرات الانتحارية التي تحاول خنق العالم بخرائط موروثة لم نعد نعترف بقيودها.
هذا التحول الجبار يأتي في لحظة “المخاض” العالمي؛ فالعالم الذي تعب من لغة التهديد بإغلاق المنافذ، يجد نفسه اليوم أمام واقع سعودي يفرض منطقاً جديداً: مَن يصنع البديل يكتب التاريخ بشروطه. إن كسر “قيد الجغرافيا” عبر هذا الممر المائي يحول صمت الصحراء إلى “رئة” تنفس إجبارية للاقتصاد الكوني، ويسحب البساط من تحت أقدام القوى التي ظنت أن بإمكانها محاصرة المنطقة بالخرائط القديمة. هنا في الرياض، لم تعد اللعبة انتظار ما يقرره الآخرون في مضائقهم، بل صناعة واقع جديد يجعل من مياهنا السعودية هي البوصلة الوحيدة التي لا تخطئ الاتجاه، ويضع حداً لعصر الابتزاز الذي طال أمده.
لكن وخلف غبار الجرافات، تبرز الحقيقة التي تحبس أنفاس الجبابرة؛ كيف ستتعامل واشنطن وبكين مع هذا “المركز العصبي” الجديد؟ الحقيقة أن ولادة هذا المسار تعيد تعريف “المركزية” العالمية؛ حيث لم تعد المملكة مجرد خزان للطاقة، بل تحولت إلى “نقطة ارتكاز” تضبط إيقاع الحركة بين الشرق والغرب. التعاون مع هذا الشريان السعودي بات السبيل الوحيد لضمان تدفق الحياة للمصانع الكبرى، في لحظة انتقلنا فيها من “رد الفعل” إلى “صناعة الفعل”، ومن الارتهان لهبات الجغرافيا إلى إعادة رسمها بما يخدم السيادة والكرامة الوطنية التي لا تقبل المساومة.
أتنبأ بأننا بصدد ولادة “قطب بحري” سعودي يمتلك القدرة على تأمين شريان الحياة العالمي بعيداً عن الممرات المهترئة. من يسبق لاستيعاب هذا التحول سيكون الشريك الأقوى في خارطة النفوذ القادمة، حيث ستنطلق اتجاهات السياسة الدولية للقرن القادم من قلب شبه الجزيرة العربية، بعمق يتجاوز أمتار الحفر ليصل إلى جوهر القرار العالمي السيادي. لقد انتهى زمن الأساطير الجغرافية القديمة، وبدأ عصر “السيادة الخشنة” التي تفرض واقعها على الجميع غصباً عن كل محاولات المقامرة بأمننا المائي.
في النهاية يا صديقي، إن كرامة الأرض لا تُحفظ بالشعارات، بل بالمشاريع الجسورة التي تفرض واقعاً يغير وجه التاريخ. هذا الشريان البحري هو الرسالة السعودية الأبلغ: نحن من يكتب الخارطة الجديدة بمداد من العمل والسيادة. المستقبل ينتمي لمَن يملك الجرأة على تحويل الرمال إلى ممرات للحضارة، ومن يمسك بزمام هذا “الشريان” اليوم، هو وحده من سيقود دفة الاستقرار في عالم الغد، ويجبر الجميع على احترام سيادة الأرض التي لا تفرط في ذرة رمل أو قطرة ماء.



